حمل أحمد ملف الأوراق ودخل مبنى السفارة المصرية في تونس لاستخراج جواز سفر لـ"ابنه"، وهو يعتقد أن الأمر لن يستغرق سوى دقائق. لكن الرد الذي يقول إنه سمعه غيّر مسار الأشهر بل والسنوات التالية: "لازم ترجع مصر".
انتقل أحمد إلى تونس في العام 2021، عقب تعرضه في مصر للتوقيف والاحتجاز على خلفية عمله في منظمة حقوقية. يقول في حديثه لـ«أثر» إنه كان يعتقد أن ابتعاده عن مصر سيضع حدًا لما يتعرض له، إلا أن تجربته كشفت أن آثار تلك الانتهاكات لم تتوقف عند الحدود الجغرافية، وامتدت إلى حياته وحياة أسرته.
بعد شهر من إنجاب أحمد مولوده الثاني، في أبريل 2023، توجه إلى السفارة المصرية في تونس وبحوزته المستندات اللازمة لاستخراج جواز سفر لابنه الصغير، لكن بعد ساعة من الانتظار رفض مسؤولو السفارة العمل على إصدار جواز سفر لنجله، وأخبروه بأنه يتعين عليه العودة إلى مصر واستخراجه من هناك.
يقول أحمد في حديثه لـ«أثر» إنه تحدث مع الموظفة المختصة وأوضح لها أنه وأسرته بصدد السفر إلى دولة أوروبية بعد بضعة أشهر ولا يستطيع السفر إلى مصر، وأخذت رقم هاتفه وأخبرته بأنها "ستتواصل مع مصر"، وحال الموافقة على استخراج جواز سفر لابنه من خلال السفارة ستتصل به لتقديم الأوراق، دون أن تحدد الجهة التي ستتواصل معها.
لمدة شهر كامل، انتظر أحمد اتصالًا من السفارة لكن لم يتصل أحد، فتوجه للاستفسار عن الأمر فتم إخباره بأن "الرد لم يأتِ"، فغادر وعاد بعد أسبوعين للسؤال مجددًا، فتم إخباره برفض إجراء معاملته من السفارة، وطالبوه بالعودة إلى مصر ليستخرج منها جواز سفر لابنه الصغير. يقول أحمد إن هذا الرد كان كالصاعقة عليه، لافتًا إلى أنه كان لديه بعض الأمل في السابق، لكن في الزيارة الثالثة "تفتت هذا الأمل" بعد الرفض القاطع. وتابع: "شعرت بخيبة أمل كبيرة.. كيف أخطط لمستقبل طفل دون الوثيقة التي من شأنها تسهيل تحركاته".
يشدد أحمد على أن هذا الرفض أدى إلى حرمان ابنه من وثيقة تمكنه من السفر، ما تسبب في تقييد قدرة الأسرة كلها على التنقل والخروج من تونس إلى دولة أخرى، لافتًا إلى أن الأسرة لم تستطع السفر إلى الدولة الأوروبية التي كانت ترغب في الاستقرار بها.
لكن ما رواه أحمد يتعارض مع ما أكده مصدر بوزارة الخارجية المصرية أنه يحق للمواطن استخراج جوازات سفر للأبناء من خلال السفارات. ويتوافق هذا التأكيد مع المعلومات المنشورة على موقع وزارة الخارجية، التي تُدرج استخراج أو تجديد جواز السفر ضمن المعاملات القنصلية، وتوضح المستندات المطلوبة لإصدار الجواز لأول مرة، والتي يقول أحمد إنها كانت بحوزته.
وتشير "الخارجية" إلى أنه خلال الثلث الأول من العام 2026 جرى إصدار نحو 34 ألف جواز سفر للمصريين في الخارج، وهو رقم يوضح حجم الخدمة المقدمة من خلال السفارات والقنصليات المصرية.
اليوم، يبلغ نجل أحمد من العمر ثلاث سنوات ونصف، ورغم صغر سنه بدأ يسمع عن السفر من شقيقه الأكبر الذي يرغب في السفر إلى اليابان بسبب حبه للأنمي، وبات يرغب في السفر مثله إلى هناك، بحسب ما يروي الأب، الذي يقول إنه لا يملك إجابة على أسئلة أبنائه حول السفر، ويحاول تعويضهما عن ذلك بالسفر داخل تونس.
يؤكد أحمد في ختام حديثه أنه لا يعرف ماذا سيحدث في المستقبل، إذ يرى أنه فقد حريته في التنقل، ويقول: "لا يوجد مستقبل مع استمرار الوضع الحالي، بعدم وجود وثيقة سفر لابني تسمح لنا بالتنقل من تونس لدولة أخرى".
حرية التنقل وحق الحصول على الأوراق الرسمية
يؤكد عبد الحليم حنيش، المحامي الحقوقي، أن الدستور المصري والمواثيق الدولية التي صدقت عليها مصر، وفي مقدمتها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، يكفلان حرية التنقل، وليس فقط داخل الأراضي المصرية، إلى جانب حق المواطن في الحصول على الأوراق الرسمية التي تثبت بياناته الشخصية.
ويستند حنيش في حديثه لـ«أثر» إلى عدد من المواد في الدستور المصري، التي تكفل للمواطن حقوقًا وحريات تتصل بالتنقل والحصول على الأوراق الرسمية وحماية المصريين المقيمين بالخارج. وتنص المادة 62 على أن "حرية التنقل، والإقامة، والهجرة مكفولة"، وأنه "لا يجوز إبعاد أي مواطن عن إقليم الدولة، ولا منعه من العودة إليه"، فيما تنص المادة 6 على أن الاعتراف القانوني بالمواطن ومنحه أوراقًا رسمية تثبت بياناته الشخصية "حق يكفله القانون وينظمه".
ويشير حنيش كذلك إلى المادة 88، التي تلزم الدولة برعاية مصالح المصريين المقيمين بالخارج، وحمايتهم وكفالة حقوقهم وحرياتهم، معتبرًا أن هذه النصوص تضع على عاتق الدولة التزامًا بحماية حقوق مواطنيها في الخارج، وليس اتخاذ الإجراءات القنصلية وسيلةً للانتقاص منها. كما يستند إلى المادة 92 من الدستور، التي تنص على أن الحقوق والحريات اللصيقة بشخص المواطن لا تقبل تعطيلًا أو انتقاصًا، وأن أي قانون ينظم ممارسة هذه الحقوق والحريات لا يجوز أن يقيدها بما يمس أصلها وجوهرها.
وفي السياق ذاته، يشير حنيش إلى المادة 53 من الدستور، التي تقرر المساواة بين المواطنين في الحقوق والحريات والواجبات العامة، وتحظر التمييز بينهم لأي سبب بما فيها الانتماء السياسي. وبحسب حنيش، فإن اجتماع هذه النصوص الدستورية يضع إطارًا لحماية المواطن المصري، بما في ذلك المواطن المقيم خارج البلاد، من حرمانه من حقوقه الأساسية أو تقييدها على نحو لا يستند إلى أساس قانوني واضح.
كما يشير حنيش إلى المادة 12 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، التي تكفل لكل شخص يوجد على نحو قانوني داخل إقليم دولة ما حرية التنقل واختيار مكان إقامته، وتنص على أن لكل فرد حرية مغادرة أي بلد، بما في ذلك بلده. ولا يجوز تقييد هذه الحقوق إلا بقيود ينص عليها القانون، وتكون ضرورية لحماية الأمن القومي أو النظام العام أو الصحة العامة أو الآداب العامة أو حقوق الآخرين وحرياتهم، وبما يتسق مع الحقوق الأخرى المعترف بها في العهد.
فضلًا عن قانون الأحوال المدنية رقم 143 لسنة 1994، الذي ينظم اختصاصات القنصليات المصرية في الخارج، فيما يتعلق بالإمساك بالسجلات الخاصة بقيد التبليغات عن وقائع الأحوال المدنية، إلى جانب تلقي طلبات الحصول على بطاقات الرقم القومي أو بدل الفاقد أو التالف منها، وطلبات إجراء أي تغيير أو تجديد عليها.
وبحسب حنيش، يُلزم القانون المواطنين المصريين المقيمين بالخارج بالتبليغ عن وقائع الميلاد والوفاة، فيما تحدد اللائحة التنفيذية للقانون إجراءات التبليغ والقيد والقواعد والإجراءات المنظمة لهذه المعاملات داخل القنصليات المصرية في الخارج.
كما يشير إلى أن قانون جوازات السفر رقم 97 لسنة 1959، وتعديلاته، ينظم حق المصريين في الحصول على جوازات السفر والجهات المختصة بإصدارها وتجديدها. وتنص المادة 7 من القانون على أن تُصرف جوازات السفر لمن يطلبها من الأشخاص الذين يتمتعون بالجنسية المصرية، متى كانت جنسيتهم ثابتة أصلًا أو بشهادة جنسية صادرة من وزارة الداخلية.
وبحسب حنيش، فإن المادة 10 من القانون تحدد الاختصاصات المتعلقة بإصدار وتجديد جوازات السفر، إذ تختص وزارة الخارجية بمنح وتجديد جوازات السفر الدبلوماسية والخاصة ولِمهمة، بينما تختص وزارة الداخلية والقنصليات المصرية في الخارج بصرف وتجديد جوازات السفر العادية.
ويضيف أن ذلك يعني أن القنصليات المصرية في الخارج ليست جهةً منفصلة عن منظومة إصدار جوازات السفر العادية، وإنما أناط بها القانون اختصاص صرف وتجديد هذه الجوازات للمصريين الموجودين خارج البلاد.
عرقلة للحقوق الأساسية
في تقرير نُشر في 13 مارس 2023، وثقت منظمة «هيومن رايتس ووتش» رفض السلطات المصرية عبر سفاراتها إصدار الوثائق الثبوتية أو تجديدها لعشرات المعارضين والصحفيين ونشطاء حقوق الإنسان المقيمين في الخارج.
واستند التقرير إلى مقابلات مع 26 معارضًا وصحفيًا ومحاميًا مصريًا يعيشون في تركيا وألمانيا وماليزيا ودولة أفريقية وقطر ودولة خليجية أخرى، من يونيو إلى ديسمبر 2022، إضافة إلى مراجعة عشرات الوثائق. وأكدت المنظمة أن تعذّر استصدار شهادات الميلاد أو تجديد الوثائق الأساسية كـ"جوازات السفر والبطاقات الشخصية" أدى إلى عرقلة إحقاق الحقوق الأساسية للمعارضين في الخارج وأفراد أسرهم الذين يعولونهم، مشيرة إلى أن ذلك قوّض فعليًا قدرتهم على السفر والعيش والعمل بشكل قانوني، وأحيانًا هدد قدرتهم على الحصول على الرعاية الطبية الأساسية والخدمات التعليمية أو لمّ شملهم مع أفراد أسرهم الآخرين.
واتهم آدم كوغل، نائب مدير قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هيومن رايتس ووتش، الحكومة المصرية بتصدير ما وصفه بـ"القمع" عبر سفاراتها وقنصلياتها في الخارج، بهدف "تدمير سبل عيش المصريين في المنفى".
أحمد ربيع اسم مستعار، وهو شاب مصري مقيم في تركيا، يقول إن القنصلية المصرية في مدينة إسطنبول رفضت في 2019 تجديد جواز سفره، وأخبرته بأنها لا تستطيع سوى إصدار وثيقة سفر له تمكنه من العودة إلى مصر.
كذلك تلقى سليم ممدوح اسم مستعار رفضًا من جانب القنصلية المصرية في مدينة مارسيليا لاستخراج وثائق رسمية له ولزوجته وابنته. ويقول في حديثه لـ«أثر» إنه في مطلع العام 2025 كان يسعى لتقديم طلب لم الشمل لاستقدام زوجته وابنته من مصر إلى فرنسا، وكان بحاجة إلى استخراج شهادة ميلاد له ولزوجته وابنته الصغيرة كي يرفق هذه المستندات مع طلب لم الشمل.
ويضيف سليم أنه لم يتوجه للقنصلية المصرية في مارسيليا بنفسه لكونه طالب لجوء، فحرر توكيلًا لمحامٍ فرنسي لاستخراج هذه الشهادات، لكن القنصلية رفضت إصدار هذه الأوراق وأخبرت المحامي بأنه يتعين على سليم الحضور بنفسه.
ويمكن للمصريين المقيمين في الخارج الحصول على وثائق الهوية الرسمية من خلال الخدمات القنصلية التي تقدمها السفارات والقنصليات المصرية، سواء بالحضور الشخصي أو من خلال ممثل عنهم بموجب توكيل رسمي، وفقًا للإجراءات المعمول بها. وتوضح منشورات رسمية صادرة عن سفارات وقنصليات مصرية عبر صفحاتها على «فيسبوك» إجراءات استخراج بعض هذه المستندات وتسلمها، والتي قد تتم بحضور صاحب الشأن أو من ينوب عنه بموجب وكالة قانونية.
يقول سليم إنه بسبب هذا الرفض طلب من زوجته في القاهرة استخراج هذه الوثائق وترجمتها والتصديق عليها ثم إرسالها له، ما أدى إلى تأخير إجراءات لم شمل أسرته التي كان يسعى إلى أن تكون بجواره في فرنسا.
تنص المادة 17 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية على أنه "لا يجوز تعريض أي شخص، على نحو تعسفي أو غير قانوني، لتدخل في خصوصياته أو شؤون أسرته أو بيته أو مراسلاته". ووفق المادة الخامسة من اتفاقية فيينا للعلاقات القنصلية (1963)، تشمل وظائف القنصليات: حماية مصالح ورعايا الدولة الموفدة لدى الدولة المضيفة، ومنح الجوازات ووثائق السفر لرعايا الدولة الموفدة، وتصديق الوثائق.
من جهته يقول عبد الحليم حنيش المحامي الحقوقي، أن الوثائق الثبوتية لا تقتصر أهميتها على كونها مستندات إدارية، فهي ترتبط بالهوية بالنسبة للأطفال على وجه الخصوص، فيما ترتبط وثائق السفر بقدرتهم على التنقل خارج دولة الإقامة.
ويشير حنيش إلى المادة الثالثة من اتفاقية حقوق الطفل على أنه في جميع الإجراءات التي تتعلق بالأطفال، سواء قامت بها مؤسسات الرعاية الاجتماعية العامة أو الخاصة، أو المحاكم أو السلطات الإدارية أو الهيئات التشريعية، يولى الاعتبار الأول لمصالح الطفل الفضلى. أما المادة السابعة تنص على أن "يُسجَّل الطفل بعد ولادته فورًا، ويكون له الحق منذ ولادته في اسم والحق في اكتساب جنسية، ويكون له قدر الإمكان الحق في معرفة والديه وتلقي رعايتهما".
وكذلك، بموجب المادة الثامنة من الاتفاقية، تتعهد الدول الأطراف باحترام حق الطفل في الحفاظ على هويته، بما في ذلك جنسيته واسمه وصلاته العائلية. وإذا حُرم أي طفل بطريقة غير شرعية من بعض أو كل عناصر هويته، تقدم الدول الأطراف المساعدة والحماية المناسبتين "من أجل الإسراع بإعادة إثبات هويته"، يقول حنيش.
قمع عابر للحدود
من جانبها، تقول بسمة مصطفى، مديرة البرامج في مؤسسة دعم القانون والديمقراطية ومقرها برلين، إن المؤسسة وثقت على مدار الثلاث سنوات الماضية العديد من حالات القمع العابر للحدود، والتي تشمل عدة أساليب من بينها تعطيل أو تجميد استخراج الأوراق الرسمية من القنصليات للمعارضين والمدافعين عن حقوق الإنسان.
واعتبرت بسمة في حديثها لـ«أثر» أن القمع العابر للحدود يحمل رسالة سياسية واضحة مضمونها أن المنفى لا يوفر الحماية بالضرورة، وأن البعد الجغرافي ليس عائقًا أمام أدوات الضغط والردع الأمنية، بمعنى أن انتقاد الدولة من الخارج قد يقابله عقاب أو انتقام بأشكال مختلفة، حتى وإن اختلفت الوسائل عمّا يحدث في الداخل.
تُعرّف منظمة هيومن رايتس ووتش القمع العابر للحدود بأنه استخدام جهات حكومية لنفوذها خارج حدودها لقمع أو إسكات المعارضة، من خلال استهداف المدافعين عن حقوق الإنسان والصحفيين ومنتقدي الحكومات والمعارضين وغيرهم، بما ينتهك حقوقهم. وتشير المنظمة إلى أن المصطلح ليس له تعريف قانوني رسمي حتى الآن.
وخلال فحص سجل مصر في مجال حقوق الإنسان من قبل الفريق العامل المعني بالمراجعة الدورية الشاملة لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، مطلع 2025، قدم المنبر المصري لحقوق الإنسان (EHRF) تقريرًا تطرق فيه إلى تعليق وثائق الهوية الرسمية والحرمان من الخدمات القنصلية لمصريين في الخارج.
وأشار التقرير المقدم إلى مجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة، في إطار خضوع ملف حقوق الإنسان بمصر لآلية الاستعراض الدوري الشامل، إلى أنه في البلدان التي جذبت قطاعات كبيرة من المعارضة السياسية المصرية مثل تركيا، لا تُصدر أوراق الهوية الرسمية إلا بعد إجراء فحص أمني مسبق. وأكد التقرير أنه في الواقع يتم رفض معظم طلبات الحصول على وثائق الهوية المقدمة من المواطنين المقيمين في تركيا بشكل عشوائي لمجرد وجود مجتمع معارض كبير هناك، مما يؤثر على المواطنين غير السياسيين بالتبعية.
ووفق التقرير، يواجه المدافعون والمعارضون التعنت نفسه عند محاولتهم الحصول على وثائق لأطفالهم، وخاصة شهادات الميلاد. وبدون شهادات الميلاد لا يمتلك الطفل شخصية قانونية، وبالتالي يعيش في منطقة رمادية. ومن الناحية الفنية فإن عدم وجود شهادة ميلاد من البلد الأصلي يعني أن الطفل لا يمتلك جنسية، ما يجعل من المستحيل الحصول على جنسية البلد المضيف. ويُعد هذا مصدرًا لعدم يقين كبير للمواطنين ومستقبل أطفالهم، ما يؤدي إلى خلق فئة من عديمي الجنسية. وبدون وثائق الهوية الشخصية والأوراق الضرورية الأخرى، تتعرض إقامة المدافعين ووضعهم القانوني في البلدان المضيفة للخطر باستمرار، وخاصة بالنسبة لأولئك الذين لا ينوون الحصول على جنسية مزدوجة.
وخلال الاستعراض الدوري الشامل أيضًا، قدمت لجنة العدالة (CFJ)، وهي جمعية مستقلة مكرسة للدفاع عن حقوق الإنسان، تقريرًا أشارت فيه إلى استخدام السلطات المصرية للبعثات الدبلوماسية كأدوات للقمع، موضحة أن السفارات والقنصليات المصرية ترفض بصورة متكررة إصدار أو تجديد أو معالجة الوثائق الأساسية للمدافعين عن حقوق الإنسان والصحفيين والنشطاء السياسيين ومن يُنظر إليهم باعتبارهم منتقدين للسلطات.
وفي هذه الحالات، وفق تقرير "CFJ"، يُبلغ المسؤولون القنصليون المتقدمين عادة بأن الطلب رُفض بسبب عدم وجود موافقة أمنية، دون تقديم مبرر قانوني أو قرار مكتوب أو وسيلة للطعن. وترى اللجنة أن هذه الممارسة تمثل امتدادًا خارج الحدود لآليات السيطرة الأمنية المحلية، وتعمل بالكامل خارج الإجراءات الإدارية أو القضائية الشفافة.
وتؤكد لجنة العدالة أنه نتيجة لذلك "يُحرم المتضررون من أي وسيلة فعالة للطعن في الحرمان من الوثائق". وبالنسبة للمدافعين عن حقوق الإنسان في المنفى، يخلق ذلك حالة من انعدام الأمان القانوني الممتد، تؤثر مباشرة في ممارسة حقوق أساسية، من بينها الحق في الحياة الأسرية، والهوية القانونية، والعمل، والتعليم، وحرية التنقل.
وفي فبراير 2026، أطلق المنبر المصري لحقوق الإنسان تقريرًا بعنوان "أينما ذهبوا: القمع العابر للحدود واستهداف المصريين في الخارج"، كشف فيه أن قرابة 66% من المشاركين في استبيان أجراه أفادوا بتعرضهم للحرمان من جوازات السفر أو الوثائق الرسمية أو الخدمات القنصلية الأساسية.
من جهتها تقول سمر الحسيني، المديرة التنفيذية للمنبر المصري لحقوق الإنسان، إن الأزمة، رغم أنها تبدو في ظاهرها مسألة بيروقراطية بسيطة، فإنها في حقيقتها إحدى الأزمات الهيكلية والممارسات المنهجية التي تستخدمها الدولة المصرية تجاه المصريين في الخارج كنوع من العقاب والاستهداف.
وتوضح في حديثها لـ«أثر»، أن تداعيات هذه الممارسة وتأثيرها في الحياة اليومية للمواطنين تبدو كما لو كانت "سحب جنسية بيروقراطيًا"، بمعنى أنه لا يصدر قرار رسمي بسحب جنسية الشخص، وإنما تُسحب منه تدريجيًا المزايا والحقوق المرتبطة بها؛ بدءًا من الحصول على بطاقة الهوية وتجديد جواز السفر، مرورًا بتسجيل المواليد والأطفال، وتوثيق الزواج والطلاق، وصولًا إلى عمل التوكيلات للمحامين وإتمام المعاملات القنصلية التي تتيح للشخص إدارة ممتلكاته في مصر.
وتشير إلى أن الأمر يصل في بعض الحالات إلى حد تعذر استخراج إعلامات الوراثة في مصر، بسبب وجود أحد أفراد الأسرة في الخارج وعدم قدرته على استصدار الأوراق القنصلية اللازمة.
ولا تتوقف التداعيات، بحسب سمر الحسيني، عند المعاملات الشخصية والقانونية، وإنما تمتد إلى الحياة العملية أيضًا؛ إذ تشترط بعض المهن إجراء فحص للخلفية الأمنية أو استخراج صحيفة الحالة الجنائية، وفي حال امتناع السفارة عن إصدار هذه الوثائق، لا يتمكن الشخص من استكمال أوراقه، بما يؤثر في قدرته على العمل.
وترى المديرة التنفيذية للمنبر المصري، أن تدخل السلطات المصرية، ممثلة في الأجهزة الأمنية ووزارة الداخلية، في هذه الإجراءات القنصلية يمثل إحدى الممارسات الفجة للقمع العابر للحدود، التي تُستخدم بصورة منهجية في عدد من السفارات المصرية، رغم أن الأمر يفترض أن يكون إجراءً بيروقراطيًا بسيطًا مرتبطًا بحقوق المواطنة.
وتضيف أن الأمر لا يقتصر على امتناع السفارات عن إصدار الأوراق، إذ توجد ممارسة أخرى مرتبطة بذلك تتمثل في وضع "بلوك" أو منع في السجلات المدنية، بما يحول دون تمكن أفراد أسرة الشخص الموجودين داخل مصر من استخراج مستندات تخصه. كما توضح أن تداعيات هذه الممارسات لا تقتصر على حرمان الأشخاص من جوازات السفر أو غيرها من الوثائق، وإنما قد تصل إلى عدم تسجيل أطفال يولدون في دول مثل الخليج وتركيا وغيرها، وهو ما قد يضع هؤلاء الأطفال في وضع قانوني بالغ الخطورة، ويحرمهم من إثبات هويتهم أو جنسيتهم.
وتشير سمر الحسيني إلى أن النساء قد يواجهن تداعيات أكثر تعقيدًا في مسائل الأحوال الشخصية؛ إذ قد تضطر بعض النساء إلى الاستمرار في زيجات تتعرض فيها للعنف أو الممارسات المسيئة، بسبب عدم قدرتهن على الحصول على وثيقة طلاق رسمية. وفي المقابل، يستطيع الرجل، حتى في حال استمرار زواجه المسجل رسميًا، الزواج مرة أخرى وفقًا للقواعد المطبقة عليه، بينما تظل المرأة، في غياب وثيقة طلاق رسمية، في وضع قانوني يجعلها متزوجة. وإذا أقدمت على الزواج استنادًا إلى طلاق غير موثق في السفارة أو في بلدها، فقد تواجه عواقب قانونية كبيرة.
كما تقول أن خطورة هذه الممارسة لا تحظى بالقدر الكافي من الانتباه، لأن البعض يتعامل معها باعتبارها مجرد مشكلة تتعلق بعدم الحصول على الأوراق، بينما تمتد آثارها إلى حقوق أساسية في حياة الأشخاص؛ "لم تحصل على أوراقك الرسمية" يعني، في بعض الحالات، عدم القدرة على تسجيل الأبناء أو تعليمهم أو الحصول على الخدمات الصحية، فضلًا عن تبعات قانونية واجتماعية أخرى، بحسب قولها.
وترى المديرة التنفيذية للمنبر المصري، أن على السلطات المصرية، وكذلك المجلس القومي لحقوق الإنسان والبرلمان المصري، مراجعة هذه الممارسة ومساءلة المتورطين فيها، معتبرة أن حصر الحالات قد يكشف عن واحدة من أكثر الممارسات انتهاكًا لحقوق المصريين في الخارج. وتضيف أن هذه الممارسة، من وجهة نظرها، "ليست فقط غير قانونية، وإنما غير دستورية"، بالنظر إلى أن حقوق المواطنة مكفولة في الدستور المصري.
وتشير سمر الحسيني إلى أن المجلس القومي لحقوق الإنسان طرح خلال العام الماضي فكرة تشكيل لجنة لبحث أوضاع المصريين في الخارج، ولا سيما القضايا المتعلقة بالأوراق الثبوتية. إلا أنها تقول إنه مع تغير تشكيل المجلس وتغير توجهاته، وتراجع التعاون مع المنظمات المستقلة، لم تُتخذ خطوات عملية لحل هذه المشكلة.
وفي هذا السياق تجدر الإشارة إلى أن المحكمة الدستورية العليا قضت بحكمها الصادر بجلسة 4 نوفمبر 2000، والذي نُشر بالجريدة الرسمية في 16 نوفمبر من العام ذاته، في القضية رقم 243 لسنة 21، بعدم دستورية نص المادتين 8 و11 من قانون جوازات السفر، بما تضمنته المادتان من تفويض وزير الداخلية في تحديد شروط منح جواز السفر، وإسناد له سلطة رفض منح الجواز أو تجديده، وكذا سحبه بعد إعطائه، لـ"أسباب هامة يقدرها"، وفقًا لصياغة النص التي اعتبرت المحكمة الدستورية في حكمها أنها "تتمخض عن تنصل المشرع من وضع الأسس العامة التي تنظم موضوع جوازات السفر بأكمله، على الرغم من كونها الوسيلة الوحيدة لتمكين المواطن من مغادرة بلده والرجوع إليه، وارتباط ذلك وثيقًا بالحقوق التي يكفلها الدستور".
وفي حكمها، أقرت المحكمة الدستورية حق المواطن في استخراج وحمل جواز السفر باعتباره عنوانًا لمصريته التي يشرف بها داخل وطنه وخارجه، ورافدًا من روافد حريته الشخصية التي كفلها الدستور واعتبرها مصونة لا يجوز المساس بها أو منعه من التنقل بسببها، دالّة بذلك على أن حرية الانتقال تنخرط في مصاف الحريات العامة، وأن تقييدها دون مقتضٍ مشروع إنما يجرد الحرية الشخصية من بعض خصائصها.
أخيرًا، وبينما تؤكد وزارة الخارجية أن خدمات إصدار وتجديد جوازات السفر واستخراج شهادات الميلاد وغيرها من الخدمات القنصلية الأساسية متاحة للمصريين في الخارج، تشير تجارب أحمد وسليم وما وثقته تقارير حقوقية إلى أن مصريين في الخارج يواجهون صعوبة في الوصول إلى الوثائق الرسمية بسبب مواقفهم السياسية من السلطة الحالية.