في يوم واحد، واجهت مؤسستان من أبرز المؤسسات الصحفية المستقلة في مصر تطورين قضائيين مختلفين، جمعتهما المخاوف بشأن مستقبل العمل الصحفي في البلاد. ففي الثلاثاء 27 أكتوبر 2026، أصدرت محكمة جنح القاهرة الجديدة حكمًا بتغريم لينا عطا الله، رئيسة تحرير «مدى مصر»، ثلاثة ملايين جنيه، وإغلاق الموقع ومصادرة معداته، بينما قررت نيابة أمن الدولة العليا تجديد حبس ستة صحفيين من منصة «متصدقش» لمدة 15 يومًا على ذمة التحقيقات، وفقا لما أعلنته المبادرة المصرية للحقوق الشخصية.
وجاءت التطورات في وقت تتواصل فيه الدعوات الرسمية إلى تطوير الإعلام المصري وتوسيع مساحات العمل الصحفي، في مفارقة توقف عندها نقيب الصحفيين وعدد من الصحفيين والحقوقيين وكذلك الباحثين ومؤسسات المجتمع المدني، الذين اعتبروا أن الإجراءات الأخيرة تبعث برسائل تتعارض مع الحديث عن الإصلاح الإعلامي.
ولم تكن المخاوف بشأن الصحافة المستقلة جديدة؛ فقد سبقت الحكم تحذيرات من أن استمرار تعليق طلبات تراخيص المواقع الإلكترونية، مع بقاء العقوبات المقررة للعمل دون ترخيص، يضع المؤسسات أمام خطر الإغلاق حتى عندما تكون قد تقدمت بطلبات لتوفيق أوضاعها.
«بلا اطلاع.. بلا دفاع».. ماذا حدث في محاكمة لينا عطا الله؟
دخلت لينا عطا الله، رئيسة تحرير «مدى مصر»، أولى جلسات محاكمتها أمام محكمة جنح القاهرة الجديدة، الثلاثاء 27 أكتوبر، برفقة هيئة دفاع تضم ثمانية محامين، مستعدين لتقديم دفوع تتعلق بأزمة ترخيص الموقع والإجراءات التي اتخذها للحصول عليه. وحضر إلى مقر المحكمة عدد من الصحفيين المتضامنين معها، من بينهم إيمان عوف، عضو مجلس نقابة الصحفيين ومقررة لجنة الحريات، التي مٌنعت من حضور الجلسة.
انتهت الجلسة بصدور حكم بتغريمها ثلاثة ملايين جنيه، وإغلاق الموقع ومصادرة معداته وأجهزته، دون أن يتمكن محاموها، بحسب روايتهم، من تقديم مرافعتهم أو الحصول على مهلة كافية للاطلاع على أوراق القضية.
وكانت نيابة أمن الدولة العليا قد استدعت عطا الله للتحقيق في 19 أكتوبر، قبل مثولها أمام النيابة في 21 أكتوبر، حيث استمر التحقيق معها أكثر من ست ساعات، وأُخلي سبيلها بكفالة قدرها 100 ألف جنيه. وفي اليوم التالي، أُحيلت إلى المحاكمة بتهمة تأسيس وإدارة وتشغيل موقع إلكتروني دون ترخيص، لتصدر المحكمة حكمها في الجلسة الأولى، بعد ثمانية أيام من الاستدعاء الأول.
وبحسب ما رواه المحامي نبيه الجنيدي لـ«أثر»، تقدمت هيئة الدفاع بطلب تأجيل نظر الدعوى لتمكينها من الاطلاع على أوراق القضية وإعداد مرافعتها، إلا أن رئيس المحكمة أصر على أن يطّلع المحامون على الأوراق خلال الجلسة نفسها. ومع تمسك الدفاع بطلبه، قرر القاضي رفع الجلسة.
وبعد نحو ساعة، استُؤنفت الجلسة، ليفاجأ المحامون الثمانية بقرار المحكمة انتداب محامٍ آخر للدفاع عن لينا عطا الله، رغم حضور هيئة دفاعها وتمسكها بحقها في الاطلاع على أوراق الدعوى، وفقًا لما رواه المحامي مختار منير، مدير وحدة المساعدة القانونية بمؤسسة حرية الفكر والتعبير وعضو هيئة الدفاع، لـ«أثر».
وأوضح منير أن المحامي المنتدب لم يكن معروفًا لأي من أعضاء هيئة الدفاع أو للينا نفسها، وأنه «لم يتفوه بكلمة واحدة»، ولم يطّلع على أوراق القضية أو يقدم مرافعة أو يطلب البراءة، فيما تولى القاضي، بحسب روايته، كتابة طلبات باسم المحامي المنتدب قبل إصدار الحكم.
من جهتها، اعتبرت المحامية ندى نشأت، عضو هيئة الدفاع، أن ما جرى حرم رئيسة تحرير «مدى مصر» من فرصة ممارسة حقها في الدفاع، مشيرةً إلى أن المحامين حضروا الجلسة مستعدين لتقديم مستندات ودفوع تتعلق بمحاولات الموقع الحصول على الترخيص، لكنهم لم يتمكنوا من عرضها على المحكمة بالصورة التي طلبوها.
وكان موقع «مدى مصر» قد نشر تفاصيل الجلسة تحت عنوان «بلا اطلاع.. بلا دفاع»، متناولًا اعتراضات هيئة الدفاع على إجراءات المحاكمة، وانتداب محامٍ رغم حضور المحامين الذين اختارتهم عطا الله للدفاع عنها.
سبع ساعات قبل الإفراج.. وحكم غيابي يعود إلى الواجهة
لم تنتهِ وقائع اليوم بالنطق بالحكم؛ إذ احتُجزت لينا عطا الله لنحو سبع ساعات عقب الجلسة، قبل إخلاء سبيلها بعد سداد الغرامة البالغة ثلاثة ملايين جنيه، وهي الحد الأقصى للعقوبة المالية المنصوص عليها في المادة 105 من قانون تنظيم الصحافة والإعلام رقم 180 لسنة 2018.
وخلال إنهاء إجراءات الإفراج عنها، ظهر حكم غيابي صادر بحقها عام 2024، يقضي بحبسها سنة على خلفية اتهامين يتعلقان بنشر أخبار كاذبة وإدارة موقع إلكتروني دون ترخيص. وتقدم فريق دفاعها بمعارضة على الحكم الغيابي، وحددت جلسة 11 نوفمبر 2026 لنظرها، لتواجه رئيسة تحرير «مدى مصر» مسارًا قضائيًا آخر بعد ساعات من صدور الحكم بإغلاق الموقع.
فيما تساءلت المحامية ندى نشأت عن أسباب استمرار إجراءات الإفراج حتى نحو العاشرة مساءً، رغم سداد الغرامة في وقت سابق من اليوم، بحسب تقديرها.
وفيما يتعلق بإغلاق الموقع ومصادرة معداته، أشارت لبنى درويش الباحثة ومديرة وحدة المناصرة في المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، إلى أن كيفية تنفيذ هذه العقوبات لا تزال غير واضحة، في ظل غياب سوابق كافية لتطبيق أحكام القانون على نحو مماثل، لافتةً إلى المفارقة المتمثلة في أن موقع «مدى مصر» محجوب بالفعل منذ سنوات.
وفي حديثها لـ«أثر» انتقدت الباحثة الحقوقية تجديد حبس صحفيي «متصدقش» الستة عبر جلسة إلكترونية، موضحةً أنهم لم يمثلوا أمام النيابة حضورياً، ولم يلتقوا بمحاميهم بصورة مباشرة خلال نظر التجديد.
وربطت بين القضيتين، قائلةً إن الحكم على «مدى مصر» جاء بعد أسابيع من القبض على فريق «متصدقش»، وإنه «يصعب تخيل أن ما يجري ليس هجمة على ما تبقى من هامش للصحافة المستقلة في مصر»، معتبرةً أن المؤسسات الصحفية المستقلة القادرة على العمل داخل البلاد أصبحت محدودة للغاية، وأن التطورات الأخيرة تثير مخاوف بشأن استمرار المساحة المتاحة لها.
ضمانات الدفاع تحت الاختبار
ضمانات الدفاع تحت الاختبار
أثارت إجراءات محاكمة لينا عطا الله اعتراضات قانونية، لم تقتصر على رفض منح هيئة الدفاع مهلة للاطلاع على أوراق القضية، بل امتدت إلى مشروعية انتداب محامٍ رغم حضور المحامين الموكلين عنها، ومدى تأثير ذلك في سلامة الإجراءات والحكم الصادر.
وقالت المحامية ندى نشأت، عضو هيئة الدفاع، في حديثها إلى «أثر»، إن انتداب محامٍ آخر رغم حضور ثمانية محامين وتمسك عطا الله بهم يمثل إجراءً غير مسبوق في خبرتها المهنية، مشيرةً إلى أن رئيسة التحرير اعترضت على القرار، لكن اعتراضها لم يُثبت في محضر الجلسة.
واستندت نشأت إلى المادة 98 من الدستور، التي تكفل حق الدفاع أصالةً أو بالوكالة، وإلى أحكام قانون الإجراءات الجنائية المتعلقة بضمانات الدفاع، معتبرةً أن ما جرى قد يشكل سببًا للطعن على الحكم لبطلان الإجراءات. وأوضحت أن هيئة الدفاع تقدمت بشكوتين إلى المحامي العام ورئيس المحكمة بشأن ملابسات الجلسة، دون تلقي رد حاسم حتى وقت حديثها.
من جانبها، وصفت الباحثة ومديرة وحدة المناصرة في المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، في حديثها لـ«أثر»، إجراءات المحاكمة بأنها «استثنائية حتى بمعايير الإجراءات الاستثنائية التي اعتدنا عليها مؤخرًا» في المحاكم المصرية، معتبرةً أن عطا الله لم تُتح لها فرصة حقيقية لتقديم دفاعها. وأضافت، بحسب روايتها، أن المحكمة كانت تملي على المحامي المنتدب ما يُثبت في محضر الجلسة، ورأت أن ما حدث حرم رئيسة التحرير من الحد الأدنى من ضمانات الدفاع القانوني، مؤكدةً اعتزام فريق الدفاع استئناف الحكم.
وفي بيان، دعا مكتب «دفاع» للمحامي الحقوقي خالد علي إلى التحقيق في ملابسات الجلسة، وطالب نقابة المحامين والمجلس الأعلى للقضاء باتخاذ موقف مما أُثير بشأن إجراءاتها. وشدد المكتب على أن حق الدفاع وعلانية المحاكمات من الضمانات الأساسية للعدالة، داعيًا إلى مراجعة التشريعات المنظمة لحرية الصحافة وضمانات الدفاع، وفحص دستورية النصوص التي تمس حق المجتمع في المعرفة، إلى جانب تطوير آليات توثيق جلسات المحاكم بالتصوير والتسجيل للتحقق من سلامة الإجراءات.
«متصدقش».. استمرار الحبس بعد شهر من القبض على الصحفيين
في اليوم نفسه الذي صدر فيه الحكم بحق «مدى مصر»، قررت نيابة أمن الدولة العليا تجديد حبس ستة صحفيين من منصة «متصدقش» لمدة 15 يومًا أخرى على ذمة القضية رقم 8083 لسنة 2026 حصر أمن دولة عليا، بعد نحو شهر من القبض عليهم في أواخر سبتمبر الماضي. والصحفيون الستة هم محمد أشرف أبو عميرة، وعبد الله قدري، وإسلام بركات، وعمر هلال، ومحمد محمود، ومحمد عادل.
وبحسب المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، صدر قرار تجديد الحبس دون إجراء تحقيقات جديدة مع الصحفيين أو مواجهتهم بأدلة جديدة تتعلق بالاتهامات المنسوبة إليهم.
ولم تقتصر شكاوى الصحفيين على استمرار حبسهم؛ إذ أفادوا بتعرضهم لقيود داخل السجن، شملت منعهم من التواصل مع النزلاء الآخرين، وعدم السماح بإدخال الكتب المصرح بها، فضلًا عن منع إدخال الملابس الشتوية خلال الزيارات أو السماح لهم بشرائها من داخل السجن، وفق ما نقلته المبادرة.
ورغم اختلاف المسارين القانونيين لقضيتي «مدى مصر» و«متصدقش»، فإن تزامنهما أعاد إلى الواجهة سؤالًا مشتركًا: ما الضمانات المتاحة للصحفيين والمؤسسات المستقلة في مواجهة الإجراءات المشددة الأخيرة التي قد تؤثر في قدرتهم على مواصلة عملهم؟
«يوم أسود».. تحركات نقابية للطعن على الحكم
أعلنت إيمان عوف، مقررة لجنة الحريات بنقابة الصحفيين، تقدمها، بالاشتراك مع عضوي مجلس النقابة محمود كامل ومحمد الجارحي، بطلب لعقد اجتماع عاجل لمجلس النقابة، على خلفية الحكم الصادر بحق «مدى مصر»، لبحث الإجراءات القانونية والنقابية الممكن اتخاذها.
من جانبه، وصف محمود كامل الحكم بأنه يمثل «يومًا أسود» في تاريخ الصحافة المصرية، معتبرًا أنه يعيد التأكيد على الحاجة الملحة إلى تعديل قانون تنظيم الصحافة والإعلام رقم 180 لسنة 2018، ولا سيما المواد المتعلقة بتراخيص المواقع الصحفية والعقوبات المترتبة على مخالفتها، التي وصفها بأنها «مواد مشينة».
وأوضح كامل في حديثه لـ«أثر» أن الاجتماع المطلوب يستهدف مناقشة السبل والدفوع القانونية للطعن على الحكم، إلى جانب بحث التواصل مع المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام للمطالبة بمنح مهلة للمواقع الصحفية غير المرخصة، ومعالجة أزمة المؤسسات التي لم يُبتّ في طلبات ترخيصها.
وربط كامل بين الحكم الصادر بحق «مدى مصر» والقبض على صحفيي «متصدقش»، معتبرًا أن الواقعتين تأتيان ضمن «هجمة على الصحافة والصحفيين» خلال الشهر الماضي، في ظل ما وصفه بأنه «مناخ عام خانق» يحيط بالعمل الصحفي في مصر.
من جهته وصف الحقوقي عماد مبارك الحكم بأنه «يوم أسود في تاريخ الصحافة المصرية»، معتبرًا، في مقال حمل العنوان نفسه، أن القضية تتجاوز مصير مؤسسة صحفية واحدة إلى مستقبل الصحافة المستقلة وحق الجمهور في الوصول إلى المعلومات.
ورأى مبارك أن نظام الترخيص يمنح الجهات الرسمية سلطة التأثير في استمرار المؤسسات الصحفية التي يُفترض أن تراقب أداءها وتراجع قراراتها، معتبرًا أن إغلاق أي مساحة صحفية مستقلة يجعل الوصول إلى المعلومات أكثر صعوبة ويحد من قدرة المجتمع على مساءلة المسؤولين.
بدوره، انتقد نقيب الصحفيين خالد البلشي سرعة الإجراءات القضائية التي انتهت بالحكم على لينا عطا الله، مشيرًا إلى أن الفترة بين استدعائها للتحقيق وصدور الحكم لم تتجاوز ثمانية أيام، وأن ملابسات الجلسة تثير تساؤلات جدية بشأن ضمانات الدفاع.
كما توقف البلشي في بيان له عند الإجراءات المتعلقة بترخيص «مدى مصر»، معتبرًا أن هناك مخالفات في التعامل مع طلب الموقع، تتصل بعدم إخطاره لاستيفاء البيانات أو إبلاغه بالقرارات وفقًا لما تنص عليه اللائحة التنفيذية لقانون تنظيم الصحافة والإعلام.
ووصف ما جرى بأنه «جرس إنذار للجميع»، مشيرًا إلى تعارض الحكم مع الدعوات الصادرة عن لجان تطوير الإعلام والحوار الوطني لرفع القيود عن العمل الصحفي وإتاحة إعلام حر ومتنوع. وطالب بوضع قواعد شفافة وعادلة لترخيص المواقع الإخبارية، ووقف الملاحقات القضائية المرتبطة بعدم الترخيص، ورفع الحجب عن المواقع الصحفية، مؤكدًا مواصلة النقابة اتخاذ الإجراءات القانونية للدفاع عن عطا الله.
من التحذير إلى الواقع.. أزمة التراخيص التي سبقت الحكم
في تقرير سابق لـ«أثر»، بعنوان «حين يتحول الترخيص إلى تهديد.. مأزق الصحافة المستقلة في مصر»، نُشر في 25 أكتوبر 2026، تناولت المنصة أزمة تراخيص المواقع الصحفية المستقلة، وكيف يمكن أن تتحول إجراءات الترخيص من وسيلة لتنظيم العمل الصحفي إلى مصدر تهديد لاستمرار المؤسسات الإعلامية.
ووثّق التقرير محاولات «مدى مصر» المتكررة للحصول على الترخيص منذ عام 2018، وما واجهته من تأخر في حسم طلباتها وعدم إخطارها رسميًا ببعض القرارات المتعلقة بها، رغم لجوئها إلى القضاء الإداري واستكمال مستنداتها، بحسب رواية ممثليها القانونيين.
كما استعرض تجارب مؤسسات أخرى، بينها «فكر تاني» و«ذات مصر»، واجهت صعوبات في الحصول على التراخيص، في مقابل إصدار المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام تراخيص لمواقع ومنصات أخرى، ما أثار تساؤلات بشأن شفافية معايير الترخيص واتساق تطبيقها.
وسلّط التقرير الضوء على الإشكاليات القانونية والدستورية المرتبطة بالمادتين 59 و105 من قانون تنظيم الصحافة والإعلام رقم 180 لسنة 2018، ولا سيما العقوبات التي تصل إلى غرامة قدرها ثلاثة ملايين جنيه، فضلًا عن غلق الموقع ومصادرة معداته.
ونقل عن محامين وممثلين لمؤسسات صحفية انتقادات لترك طلبات الترخيص معلّقة دون قرارات واضحة تتيح لأصحابها استكمال الإجراءات أو الطعن عليها، فيما استعرض ورقة قانونية لمؤسسة «مسار» أثارت شبهات عدم دستورية عقوبات الغلق والمصادرة، استنادًا إلى المادة 71 من الدستور ومبدأ التناسب بين الجريمة والعقوبة.
وكان المحامي مختار منير قد اعتبر، في التقرير السابق، أن عدم إخطار المؤسسات بقرارات الترخيص وأسباب رفضها يحد من قدرتها على استيفاء المستندات المطلوبة أو اللجوء إلى القضاء، مشيرًا إلى أن الغرض من تنظيم النشاط الإعلامي ينبغي ألا يتحول إلى منع المؤسسات من ممارسة عملها.
وتكتسب تلك التحذيرات دلالة إضافية بعد صدور الحكم على لينا عطا الله، إذ أصبحت العقوبات التي تناولها التقرير قبل المحاكمة واقعًا قضائيًا يهدد استمرار «مدى مصر»، بعد سنوات من النزاع بشأن ترخيصه.
تداعيات تتجاوز الصحافة.. وقراءة في المشهد السياسي
من جانبه، ربط الصحفي والباحث مصطفى محي، في حديثه إلى «أثر»، بين الحكم الصادر بحق «مدى مصر» والقبض على صحفيي «متصدقش» والتطورات السياسية التي تشهدها مصر خلال الأسابيع الأخيرة، معتبرًا في حديثه لـ«أثر» أن البلاد تبدو مقبلة على مرحلة انتقال داخل السلطة، تسعى خلالها الأطراف التي تدير هذا الانتقال، وفق قراءته، إلى إحكام السيطرة على مساره ومنع أي مفاجآت أو أصوات قد تؤثر فيه، من خارج السلطة والنظام السياسي الذي يدير عملية الانتقال
ويرى محيي أن التصعيد ضد «مدى مصر» قد لا يتوقف عند المؤسسة أو عند حدود الصحافة والصحفيين، وإنما قد يمتد إلى قطاعات أخرى خلال الفترة المقبلة. وأشار إلى أن الحكم، رغم توقع صدوره لدى كثيرين، جاء بسرعة وإجراءات لم تكن متوقعة، بدءًا من استدعاء لينا عطا الله للتحقيق، مرورًا بإحالتها إلى المحاكمة خلال أيام، وصولًا إلى صدور الحكم في الجلسة الأولى، وما شهدته من تعامل مع هيئة الدفاع ورئيسة التحرير. واعتبر أن ما جرى يحمل رسالة مفادها أنه «لا أحد لديه حماية من أي نوع، ولا أحد لديه أي حصانة من أي نوع، وإن القمع يطال الجميع»، مشددًا على أن التضامن لابد أن يأتي من الجميع.
تأتي هذه التطورات في ظل استمرار تصنيف مصر ضمن الدول ذات الأوضاع الأكثر خطورة على حرية الصحافة عالميًا؛ إذ احتلت المرتبة 169 من أصل 180 دولة في التصنيف العالمي لحرية الصحافة لعام 2026، الصادر عن منظمة «مراسلون بلا حدود»، مسجلة 24.92 نقطة من أصل 100، مقابل المرتبة 170 في تصنيف عام 2025.
ورغم تقدم مصر مرتبة واحدة في الترتيب العام، فإن درجتها لا تزال ضمن فئة «خطير للغاية» وفق منهجية المنظمة، التي تقيس أوضاع حرية الصحافة استنادًا إلى خمسة مؤشرات تشمل السياق السياسي، والإطار القانوني، والبيئة الاقتصادية، والسياق الاجتماعي والثقافي، وسلامة الصحفيين.
وجاء ترتيب مصر في المؤشر السياسي عند المرتبة 168، وفي المؤشر الاقتصادي 167، وفي المؤشر القانوني 162، وفي المؤشر الاجتماعي 169، بينما احتلت المرتبة 163 في مؤشر السلامة والأمن.
وكانت المنظمة قد حذرت في تقريرها لعام 2026 من اتساع ظاهرة تجريم العمل الصحفي عالميًا، مشيرةً إلى تراجع المؤشر القانوني في 110 دول من أصل 180، من بينها مصر، في ظل ما رصدته من توظيف التشريعات والإجراءات القانونية لتقييد ممارسة الصحافة.
إدانات حقوقية ودولية وتحذيرات من مستقبل الصحافة المستقلة
أثار الحكم الصادر بحق لينا عطا الله، بالتزامن مع تجديد حبس صحفيي «متصدقش»، إدانات من مؤسسات صحفية ومنظمات حقوقية محلية ودولية، حذرت من تداعيات الإجراءات على استمرار المؤسسات الإعلامية المستقلة وحق الجمهور في الوصول إلى المعلومات.
واعتبرت المفوضية المصرية للحقوق والحريات أن آثار الحكم لا تقتصر على رئيسة تحرير «مدى مصر»، بل تمتد إلى جميع العاملين بالمؤسسة، الذين يواجهون خطر فقدان وظائفهم ومصادر دخلهم نتيجة إغلاق الموقع ومصادرة أدوات عمله.
وأشارت المفوضية إلى أن المؤسسة سعت للحصول على ترخيص منذ عام 2018، وجددت محاولاتها عام 2020، قبل اللجوء إلى القضاء الإداري عام 2022، بينما لم يظهر خطاب رفض الترخيص إلا في سبتمبر 2023، وفقًا لروايتها. واعتبرت أن تحميل الصحفيين تبعات تأخر الجهة الإدارية في حسم طلب الترخيص يحوّل نزاعًا إداريًا إلى تهديد مباشر لحقهم في العمل.
وطالبت المفوضية بوقف تنفيذ حكم الإغلاق والمصادرة، وحماية حقوق العاملين وأجورهم، ومراجعة قانون تنظيم الصحافة والإعلام وإلغاء العقوبات التي تتيح إغلاق المواقع ومصادرة معداتها.
من جانبها، وصفت مؤسسة دعم القانون والديمقراطية الحكم بأنه «انتكاسة جديدة لحرية الصحافة»، ودعت إلى إلغائه ووقف تنفيذه، وعدم استخدام الإجراءات الجنائية لمعالجة النزاعات المتعلقة بتراخيص المؤسسات الإعلامية، مطالبةً بإلغاء نظام الترخيص المفروض على المواقع الصحفية واستبداله بنظام الإخطار.
وامتدت الإدانات إلى منظمة «مراسلون بلا حدود»، التي وصفت ما حدث بمثابة "إعلان حرب ضد الصحافة المستقلة" كما وصفت إجراءات محاكمة عطا الله بأنها «محاكمة صورية»، وطالبت بإلغاء الحكم.
وقال جوناثان داغر، مسؤول مكتب الشرق الأوسط بالمنظمة، إن «مدى مصر» يمثل مصدرًا أساسيًا للمعلومات المستقلة لملايين القراء داخل مصر وخارجها، معتبرًا أن الحكم جاء بعد سنوات من الضغوط التي تعرض لها الموقع.
وربطت المنظمة بين الحكم الصادر بحق «مدى مصر» واستمرار حبس صحفيي «متصدقش»، مطالبةً بالإفراج عن الصحفيين الستة، إلى جانب 20 صحفيًا آخرين قالت إنهم لا يزالون رهن الاحتجاز في مصر.
وفي السياق نفسه، أعلنت منصة «صفر» تضامنها مع لينا عطا الله والعاملين في «مدى مصر»، وطالبت بإلغاء الحكم ووقف إغلاق الموقع والإفراج عن الصحفيين المحبوسين، مؤكدةً أن «الصحافة ليست جريمة، والتحقق ليس تهمة».
في السياقأيضًا، أدانت 129 مؤسسة إعلامية ومنظمة حقوقية دولية وإقليمية، في بيان مشترك نشره معهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط (TIMEP) وضم عددًا من المؤسسات الصحفية والحقوقية، اليوم الأربعاء 28 أكتوبر 2026، الحكم الصادر بحق لينا عطا الله، رئيسة تحرير «مدى مصر»، بإغلاق الموقع وتغريمها ثلاثة ملايين جنيه ومصادرة معداته، معتبرةً أنه يمثل تصعيدًا جديدًا في الملاحقات التي تستهدف الصحافة المستقلة في مصر.
وربط الموقعون الحكم باستمرار حبس صحفيي «متصدقش» الستة، واستدعاء الصحفية رشا عزب للتحقيق، وما وصفوه بحملة تشهير منسقة ضد نقابة الصحفيين، محذرين من اتساع الضغوط على المؤسسات الإعلامية المستقلة. وطالب البيان السلطات المصرية بمنح التراخيص للمؤسسات الصحفية المستقلة دون تمييز، ووقف استخدام قوانين الترخيص في تجريم العمل الصحفي، وإنهاء ما وصفه بحملات الترهيب ضد الصحفيين ونقابتهم، والإفراج الفوري وغير المشروط عن 25 صحفيًا قال الموقعون إنهم محتجزون في مصر.
ومنذ إطلاقه عام 2013، واصل «مدى مصر» نشر التحقيقات والتقارير رغم حجبه داخل مصر منذ عام 2017، وما واجهه من ملاحقات وإجراءات قضائية وأمنية خلال السنوات التالية. ومع صدور الحكم بإغلاقه ومصادرة معداته، لم تعد أزمة الترخيص بالنسبة إلى المؤسسة مجرد نزاع إداري ممتد، وإنما أصبحت مرتبطة مباشرة بإمكانية استمرار عملها.
وفي المقابل، لا يزال ستة صحفيين من «متصدقش» رهن الحبس الاحتياطي، بينما تطالب منظمات حقوقية بالإفراج عنهم والتحقيق في الشكاوى المتعلقة بظروف احتجازهم.
وتكشف القضيتان، رغم اختلاف الوقائع والاتهامات والإجراءات، عن سؤال يتجاوز مصير موقعين صحفيين: كيف يمكن ضمان استمرار الصحافة المستقلة في أداء دورها في إتاحة المعلومات ومساءلة أصحاب القرار، عندما تصبح ممارسة العمل الصحفي نفسها مرتبطة بمخاطر الإغلاق والملاحقة والحبس؟



