في وقت الظهيرة، داخل شقة صغيرة، كانت وفاء تقف خلف باب غرفتها الذي أغلقته بالمفتاح، تحتضن أطفالها وتحاول حمايتهم من تهديدات زوجها. لكن هذه المرة، لم تقتصر التهديدات على طردها من المنزل، كما اعتادت أن تسمع منه، بل امتدت إلى التهديد بإيذائها جسديًا، بعدما تعرضت قبل ساعات لاعتداء عنيف ترك آثاره على وجهها وجسدها.
وسط الخوف ومحاولات البحث عن وسيلة للنجاة، تذكرت وفاء الإعلانات التلفزيونية والمنشورات الرسمية التي تشجع النساء على عدم الصمت إزاء العنف، وتدعوهن إلى طلب المساعدة عبر الخط المختصر لمكتب شكاوى المرأة التابع للمجلس القومي للمرأة (15115).
أمسكت وفاء هاتفها واتصلت بالرقم المعلن، أملًا في الحصول على مساعدة. استقبلتها رسالة صوتية آلية، لكن المكالمة انتهت دون أن تتمكن من التحدث إلى أحد. أعادت المحاولة مرة تلو الأخرى، دون أن تتلقى استجابة.
وتروي وفاء لـ«أثر»: «على مدار ساعتين متواصلتين، كررت الاتصال أكثر من 6 مرات، بين خط مشغول، أو انتظار يمتد لعدة دقائق ينتهي بانقطاع المكالمة تلقائيًا».
مرت الساعات دون أن تتلقى وفاء أي استجابة، سواء عبر الهاتف أو الرسائل الإلكترونية. ومع استمرار التهديدات داخل المنزل، اضطرت وفاء إلى البحث عن طريق آخر للحصول على المساعدة. اقترضت من إحدى جاراتها تكاليف الانتقال، وغادرت منزلها متجهة إلى إحدى المبادرات النسوية الأهلية، حيث طلبت مساعدة قانونية أولية، بعدما أخفقت محاولاتها المتكررة في الوصول إلى مكتب شكاوى المرأة.
تثير تجربة وفاء تساؤلات بشأن مدى إتاحة قنوات تلقي الشكاوى التي يعلن عنها المجلس القومي للمرأة، وقدرة النساء على الوصول إليها والحصول على المساعدة في الوقت المناسب، لا سيما في الحالات التي تتطلب تدخلًا عاجلًا.
أُنشئ المجلس القومي للمرأة بموجب قرار رئيس الجمهورية رقم 90 لسنة 2000، ويتبع رئيس الجمهورية، مع تمتعه بالشخصية الاعتبارية والاستقلال الفني والمالي والإداري. ويتكون المجلس من 30 عضوًا من الشخصيات العامة وذوي الخبرة في شؤون المرأة والعمل الاجتماعي، وتستمر عضويتهم ثلاث سنوات قابلة للتجديد.
ويحدد القانون رقم 30 لسنة 2018 اختصاصات المجلس، التي لا تقتصر على التوعية بقضايا المرأة، بل تشمل تلقي الشكاوى المتعلقة بانتهاك حقوق النساء وحرياتهن ودراستها، وإحالتها إلى الجهات المختصة، والتنسيق معها للعمل على حلها، فضلًا عن توفير المساعدة القضائية اللازمة وإبلاغ السلطات العامة بما يُرصد من انتهاكات.
اعملي بلاغ في قسم الشرطة!
للوقوف على كيفية استجابة مكتب شكاوى المرأة لبلاغات العنف الأسري، أجرت معدة التقرير اختبارًا عبر تطبيق «واتساب»، تواصلت خلاله مع المكتب بصفتها امرأة تتعرض للعنف من زوجها وتطلب المساعدة.
وبعد خمس ساعات وأربعين دقيقة من إرسال الاستغاثة، جاء الرد مقتصرًا على عبارة: «بتعملى بلاغ لدى قسم الشرطه مباشرة وبعد إحالة المحضر إلى النيابة نستطيع توفير دعم قانوني فقط»، دون أي استفسار عن طبيعة الخطر الذي تتعرض له صاحبة البلاغ، أو تقديم إرشادات بشأن إجراءات الحماية العاجلة المتاحة للنساء المعرضات للعنف.
وعندما استفسرت معدة التقرير عن إمكانية اتخاذ إجراءات عاجلة لحمايتها من تهديدات زوجها، أكدت المسؤولة مجددًا أن الدعم المتاح في الوقت الحالي يقتصر على المساعدة القانونية، دون الإشارة إلى أي إجراءات أخرى يمكن اتخاذها للتعامل مع الخطر الذي تضمنته الاستغاثة.
ولم يقتصر اختبار استجابة مكتب شكاوى المرأة على التواصل عبر «واتساب»، بل امتد إلى الخط الساخن (15115). فعلى مدار نحو أسبوع، أجرت معدة التقرير اتصالات متكررة، بدأت برسالة صوتية مسجلة تقول: «نأسف لحضراتكم، برجى الانتظار»، قبل أن تنتهي معظم المكالمات برسالة أخرى تفيد بأن «جميع مسؤولي خدمة العملاء مشغولون بالرد على عملاء آخرين»، دون أن تتمكن من التحدث إلى أحد.
وبعد محاولات متواصلة، تمكنت معدة التقرير أخيرًا من الوصول إلى إحدى مسؤولات خدمة العملاء، التي أرجعت صعوبة الاتصال إلى الضغط الكبير على الخط الساخن، موضحة أنه يستقبل مكالمات من مختلف محافظات الجمهورية، وأن تأخر الرد لا يعني توقف الخدمة أو تعمد تجاهل المتصلات.
وبحسب المسؤولة، تضم قائمة الانتظار أحيانًا ما بين 40 و50 متصلًا، فيما تتجاوز مدة بعض المكالمات ربع ساعة. وأوضحت أن المكتب يوجه بعض الشكاوى إلى فروعه المحلية بالمحافظات، باعتبارها أقدر على تقديم المساعدة والمتابعة المباشرة للحالات.
في سبتمبر الماضي، أطلق المجلس القومي للمرأة حملة توعوية استمرت شهرًا للتعريف بخدمات مكتب شكاوى المرأة، وحث النساء على طلب الدعم عبر الخط المختصر (15115). وسبقتها حملة إذاعية في مارس من العام نفسه، تضمنت 15 تنويهًا بخدمات المشورة والدعم النفسي والقانوني للنساء المعرضات للعنف.
ورغم تعدد الحملات التي تشجع النساء على الإبلاغ وطلب المساعدة، كشفت محاولات التواصل التي وثقها التقرير عن بعض الصعوبات التي تواجه النساء في الوصول إلى مكتب شكاوى المرأة، إلى جانب اقتصار الدعم الذي عرضه المكتب خلال الاختبار على المساعدة القانونية بعد إحالة البلاغ إلى النيابة العامة، دون تقديم إرشادات بشأن إجراءات الحماية العاجلة.
الانتهاكات مستمرة
تأتي الصعوبات التي وثقها التقرير في الوصول إلى مكتب شكاوى المرأة في ظل استمرار تسجيل وقائع عنف ضد النساء والفتيات في مصر. فبحسب تقرير صادر عن مؤسسة «ملاذ لدعم المرأة»، وثقت المؤسسة 128 واقعة عنف خلال الفترة من أبريل إلى يونيو 2026، بينها 60 واقعة تحرش، و41 واقعة اعتداء، و27 جريمة قتل.
وتبرز هذه الوقائع أهمية وجود آليات فعالة ومتاحة للحماية والدعم، فضلًا عن إتاحة بيانات تسمح بتقييم نتائج تدخلات المجلس القومي للمرأة. فبينما يعلن المجلس أعداد الشكاوى والاستشارات والخدمات المقدمة، تظل المعلومات التفصيلية بشأن كيفية التعامل مع البلاغات، وأعداد المستفيدات من الدعم القانوني والنفسي، ونتائج المتابعة مع الجهات المختصة، ضرورية لتقييم فاعلية الاستجابة.
وفي هذا السياق، توضح لمياء لطفي، استشارية النوع الاجتماعي ومديرة برنامج تعزيز المساواة ومناهضة التمييز، لـ«أثر»، أن بعض النساء يلجأن إلى المجلس باعتباره جهة قادرة على التدخل لحمايتهن، خاصة مع تخوف بعضهن من التعامل المباشر مع أجهزة الدولة. غير أن اختصاصات المجلس، بحسب لطفي، لا تمنحه سلطة توفير الحماية المباشرة، ولا تجعله بديلًا عن الشرطة أو جهات التحقيق.
ومع ذلك، ترى لطفي أن موقع المجلس المؤسسي يفترض أن يتيح له التنسيق المباشر مع الجهات التنفيذية المختصة، بما يسرّع التعامل مع الحالات التي تنطوي على تهديد لحياة النساء. ومن هنا، لا تتعلق المسألة بحدود صلاحيات المجلس وحدها، بل أيضًا بمدى قدرته على توظيف قنوات التنسيق المتاحة لضمان وصول الحالات العاجلة إلى الجهات المسؤولة عن حمايتها.
في المقابل، يؤكد المجلس القومي للمرأة تقديم خدمات الدعم القانوني والنفسي والاجتماعي مجانًا عبر مكتب شكاوى المرأة وفروعه بالمحافظات. ووفقًا لتصريحات رئيسته أمل عمار، تعامل المكتب مع نحو 32 ألف شكوى خلال عام 2025، بمتوسط يقارب 88 شكوى يوميًا على مستوى الجمهورية.
غير أن الرقم المعلن لا يكشف عن حجم الاتصالات الواردة إلى الخط الساخن (15115)، أو عدد المكالمات التي لم تتلقَّ ردًا، أو متوسط فترات الانتظار. كما لا يوضح توزيع الشكاوى بحسب طبيعتها، أو المدة التي تستغرقها معالجتها، أو نتائج التدخلات المقدمة، وهي بيانات ضرورية لتقييم مدى فاعلية الاستجابة، خصوصًا في حالات العنف التي تتطلب تدخلًا عاجلًا.
وفي مقابل الجهود التي يعلنها المجلس القومي للمرأة لدعم النساء المعرضات للعنف، تشير تقارير حقوقية حديثة إلى استمرار تسجيل وقائع قتل واعتداء بحق النساء والفتيات في مصر.
ففي تقرير أصدره مركز تدوين لدراسات النوع الاجتماعي في 20 أكتوبر 2026، بعنوان «قُتلن لأنهن نساء»، رصد المركز 85 واقعة قتل وانتحار لنساء وفتيات خلال النصف الأول من العام، استنادًا إلى مراجعة التغطيات المنشورة في ثمانية مواقع إخبارية مصرية. ومثّلت جرائم القتل 94.1% من الوقائع المرصودة، مقابل 5.9% لحالات الانتحار.
كما وثقت مؤسسة «ملاذ لدعم المرأة» 154 واقعة عنف خلال الفترة من يوليو إلى سبتمبر 2026، كان للاعتداء المصيب الأكبر بنسبة تخطت 38%.
تتضمن هذ الأرقام الوقائع التي تمكنت المؤسستان من رصدها وفق منهجية كل منهما، ولا تمثل حصرًا شاملًا للعنف ضد النساء في مصر، كما لا تصلح للمقارنة المباشرة مع أعداد الشكاوى التي يتلقاها المجلس القومي للمرأة، لاختلاف طبيعة البيانات والفترات الزمنية التي تغطيها.
ومع استمرار تسجيل هذه الوقائع، تكتسب الصعوبات التي وثقها التقرير في الوصول إلى مكتب شكاوى المرأة أهمية إضافية، وتعيد طرح التساؤلات بشأن فاعلية آليات الدعم والحماية، ومدى قدرة النساء على الوصول إليها في الوقت المناسب، خصوصًا عندما تكون حياتهن معرضة للخطر.
وتشمل الانتقادات الموجهة إلى أداء المجلس القومي للمرأة تراجع حضوره الميداني، إلى جانب صعوبة الوصول إلى خدماته. وترى منى عبد الراضي، عضوة المكتب التنفيذي للجبهة الوطنية لنساء مصر وأمينة المرأة بالحزب المصري الديمقراطي، أن المجلس كان أكثر حضورًا في القرى والمراكز والنجوع خلال فترات سابقة، من خلال أنشطة ميدانية وقيادات محلية على اتصال مباشر بالنساء ومشكلاتهن.
وتقول عضوة المكتب التنفيذي للجبهة الوطنية لنساء مصر لـ«أثر» إن هذا الحضور لم يعد ملموسًا بالقدر نفسه، رغم استمرار المشكلات التي تواجه النساء، لا سيما المزارعات والعاملات، فضلًا عن المعرضات للعنف ومن يواجهن نزاعات تتعلق بالنفقة والأحوال الشخصية، وهي قضايا ترى أنها تستدعي دعمًا ميدانيًا مستمرًا.
وتعتبر منى عبد الراضي أن المجلس لم يعد يصل بالقدر الكافي إلى النساء الأكثر احتياجًا لخدماته، واصفة إياه بأنه أصبح أشبه بـ«مؤسسة دولة لا تصل للمواطنة العادية ولا تعبر عنها».
بلغ عدد مراكز استضافة وتوجيه النساء المعرضات للعنف 13 مركزًا، استفادت من خدماتها 7,785 حالة. وفي بيانات لاحقة، حددت الوزارة نطاق انتشار هذه المراكز في 11 محافظة، تشمل القاهرة والجيزة والإسكندرية والقليوبية والدقهلية وكفر الشيخ ودمياط والفيوم وبني سويف والمنيا وسوهاج. وتقدم المراكز خدمات الاستضافة والدعم النفسي والاجتماعي والقانوني للنساء المعرضات للعنف.

أين تكمن مشكلة المجلس؟
في المقابل، ترى ماجدة رشوان، المحامية والقيادية بالحزب الاشتراكي المصري، في حديثها لـ«أثر»، أن اختزال دور المجلس في حملات التوعية والمبادرات يغفل جانبًا أساسيًا من اختصاصاته. فالقانون رقم 30 لسنة 2018 يمنحه صلاحيات تشمل دراسة المشكلات التي تواجه النساء، وإبداء الرأي في التشريعات والسياسات المتعلقة بحقوقهن، ومتابعة تنفيذ الخطط ذات الصلة، فضلًا عن تلقي الشكاوى وفحصها وإحالتها إلى الجهات المختصة، ومتابعة ما يُتخذ بشأنها، وتوفير المساعدة القانونية اللازمة.
وتوضح رشوان أن هذه الاختصاصات لا تعني امتلاك المجلس سلطات تنفيذية أو قضائية؛ فهو ليس جهة تحقيق، ولا يملك الفصل في القضايا أو إصدار أحكام بشأنها. ومن ثم، فإن تقييم أدائه، بحسب رأيها، ينبغي ألا يستند إلى مدى قدرته على أداء دور الشرطة أو النيابة العامة أو القضاء، وإنما إلى مدى استخدامه الصلاحيات المتاحة له في مساعدة النساء، والتنسيق مع الجهات المعنية، ومتابعة شكاواهن وما تتخذه تلك الجهات من إجراءات.
ومن زاوية أخرى، ترى لمياء لطفي، استشارية النوع الاجتماعي، أن أداء المجلس يتفاوت من فترة إلى أخرى تبعًا للقيادات والأشخاص المسؤولين عن ملفاته، بما يجعل بعض جوانب عمله معتمدة على الجهود الفردية أكثر من اعتمادها على آليات مؤسسية مستقرة.
وتشير لطفي إلى ما تعتبره التباسًا في موقع المجلس بين استقلاله المنصوص عليه قانونًا وعلاقته بمؤسسات الدولة، وهو ما ينعكس، من وجهة نظرها، على تعامله مع الوزارات والجهات التنفيذية، وعلى قدرته على ممارسة دوره في مراجعة التشريعات والسياسات العامة المتعلقة بالمرأة.
ولا ترى لطفي أن المشكلة تكمن في غياب الخدمات التي يقدمها المجلس؛ إذ تقر بوجود خدمات فعلية، لكنها تضع التساؤل الأساسي في مدى كفاية هذه الخدمات وفاعليتها، وقدرة المجلس على توظيف موقعه المؤسسي وصلاحياته القانونية في تحقيق نتائج ملموسة للنساء اللاتي يلجأن إليه، خصوصًا في الحالات التي تتطلب استجابة عاجلة لحمايتهن من العنف.
قضية فيرمونت.. اختبار لحدود الحماية
وتكتسب مسألة التنسيق بين المجلس القومي للمرأة والجهات التنفيذية أهمية خاصة في القضايا التي تتعرض فيها النساء والشهود لمخاطر تتجاوز العنف المباشر، وتشمل الملاحقة القانونية والضغوط الاجتماعية. وقد برزت هذه الإشكالية خلال قضية «فيرمونت» عام 2020، التي أثارت تساؤلات بشأن الضمانات المتاحة لحماية المبلغات والشهود، والدور الذي يمكن أن يؤديه المجلس في مثل هذه الحالات.
ومع تصاعد الاهتمام بقضية «فيرمونت»، التي دارت حول اتهامات باغتصاب جماعي داخل أحد فنادق القاهرة، دعا المجلس القومي للمرأة الضحايا والشهود إلى الإدلاء بشهاداتهم، معلنًا استعداده لتقديم الدعم والمساندة وضمان سرية المعلومات. وفي أعقاب هذه الدعوات، تواصلت إحدى الضحايا مع مكتب شكاوى المرأة قبل التوجه إلى النيابة العامة.
وأثارت تطورات القضية مخاوف بشأن سلامة الشهود ومدى توافر الحماية لهم. ففي سبتمبر 2020، وثقت منظمة «هيومن رايتس ووتش» القبض على أربعة أشخاص من الشهود المرتبطين بالقضية، وتعرض بعضهم لتحقيقات بشأن اتهامات منفصلة عن واقعة الاغتصاب، بعدما أدلوا بمعلومات تتعلق بها.
الأمر الذي أثار انتقادات حقوقية بشأن المخاطر التي قد يتعرض لها الضحايا والشهود عند الإبلاغ عن جرائم العنف الجنسي. وفي هذا السياق، طالبت «المبادرة المصرية للحقوق الشخصية» المجلس القومي للمرأة باتخاذ موقف داعم للمبلّغات والشهود، والعمل على توفير الحماية اللازمة لهم.
ولم تكن قضية «فيرمونت» وحدها التي أثارت انتقادات تتعلق بموقف المجلس من قضايا تمس حقوق النساء وحرياتهن. وفي العام نفسه، أثارت ملاحقة عدد من الفتيات والشابات على خلفية مقاطع فيديو نشرنها عبر تطبيق «تيك توك» جدلًا حقوقيًا بشأن موقف المجلس القومي للمرأة من القضايا المرتبطة بحرية النساء في التعبير. وواجهت المتهمات اتهامات من بينها الاعتداء على «القيم الأسرية»، استنادًا إلى قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات، وسط انتقادات حقوقية لاستخدام نصوص قانونية فضفاضة في ملاحقة النساء بسبب محتوى ينشرنه على مواقع التواصل الاجتماعي.
وبمراجعة البيانات التي نشرها المجلس خلال عام 2020، لم ترصد معدة التقرير موقفًا معلنًا يتناول هذه الملاحقات أو الاتهامات الموجهة إلى الفتيات. ومع ذلك، تظل طبيعة أي تدخلات قانونية أو إجراءات دعم محتملة خارج نطاق ما تكشفه البيانات المنشورة، بما يحول دون الجزم بغيابها.
وفي ورقة تحليلية نشرها «مركز حلول للسياسات البديلة» بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، تناول المركز بالنقد أداء المجلس القومي للمرأة وحدود دوره في الدفاع عن حقوق النساء، مؤكدًا أهمية تبني مواقف أكثر فاعلية تجاه التشريعات والممارسات التي تقيد حرياتهن.
وتسلط قضيتا «فيرمونت» وفتيات «تيك توك» الضوء على جانب آخر من مسؤوليات المجلس، يتعلق بدوره في الدفاع عن حقوق النساء والتأثير في السياسات والتشريعات التي تمس حرياتهن، إلى جانب اختصاصاته في تلقي الشكاوى وتقديم الدعم القانوني.
الدور التشريعي.. صلاحيات قائمة وتأثير محل تساؤل
يمثل الدور التشريعي للمجلس القومي للمرأة جانبًا أساسيًا من اختصاصاته، إذ يمنحه القانون رقم 30 لسنة 2018 صلاحيات تتعلق باقتراح التشريعات ومراجعة السياسات العامة المرتبطة بحقوق النساء.
ويبرز مشروع القانون الموحد لمناهضة العنف ضد المرأة في هذا السياق، بعدما ظل إقراره معلقًا لسنوات. فبحسب دراسة بعنوان «الفاعلون في المجتمع المدني العربي ومحاولة التأثير على السياسات العامة»، تقدم المجلس في يونيو 2013 بمشروع قانون لمكافحة العنف ضد المرأة إلى مجلس الوزراء.
وأثار تقديم المشروع آنذاك انتقادات من منظمات نسوية وحقوقية، بسبب ما اعتبرته غيابًا للتشاور الكافي مع المنظمات المستقلة والمبادرات المعنية بحقوق النساء خلال إعداده.
وبعد أكثر من 13 عامًا على طرح المشروع، ورغم تجدد المناقشات بشأن إصدار قانون موحد لمناهضة العنف ضد المرأة، ظل التشريع دون إقرار حتى إعداد ونشر هذا التقرير. وتتوزع مسؤولية إصدار القوانين بين الحكومة والبرلمان، فيما يظل دور المجلس محل تقييم من حيث جهوده في الدفع بالتشريع ومشاركته في المناقشات المتعلقة به طوال تلك السنوات.
ولا تقتصر الانتقادات على مشروع قانون مناهضة العنف. ففي أبريل 2026، شهدت مائدة مستديرة نظمتها مؤسسة المرأة الجديدة، بعنوان «قانون الأحوال الشخصية إلى أين؟»، انتقادات لغياب ممثلين كان مقررًا مشاركتهم في النقاش، من بينهم هاني جورجي، المستشار القانوني للمجلس القومي للمرأة، والقاضية سالي الصعيدي، ممثلة وزارة العدل.
وترى مي صالح، رئيسة مجلس أمناء مؤسسة المرأة الجديدة، أن المجلس لا يمارس دوره التشريعي بالقدر الذي تسمح به اختصاصاته. وتستشهد بمناقشات قانون الأحوال الشخصية، مشيرة إلى أن المجلس طرح محددات ومبادئ عامة للقانون، دون تقديم مشروع متكامل، بحسب قولها.
وتضيف رئيسة مجلس أمناء مؤسسة المرأة الجديدة في حديثها لـ«أثر»، أن انتقاداتها لا تتعلق فقط بحجم المبادرات التشريعية، وإنما تمتد إلى طبيعة المواقف التي يتبناها المجلس في بعض المناقشات المتعلقة بحقوق النساء، واصفة إياها بأنها «محافظة ومتحفظة جدًا».
وتستشهد في هذا السياق بمناقشات قانون العمل، التي تقول إن المجلس تبنى خلالها مواقف تقليدية بشأن حقوق المرأة العاملة، من بينها طرح يتعلق بتقليص مدة إجازة الوضع، استنادًا إلى مخاوف من إحجام أصحاب الأعمال عن تشغيل النساء بسبب طول الإجازة. لكنها ترفض هذا المنطق، معتبرة أن تحميل حقوق العاملات مسؤولية التمييز ضدهن في سوق العمل يعكس مقاربة تعطي الأولوية لاعتبارات أصحاب الأعمال على حساب ضمانات الحماية الاجتماعية للنساء.
في السياق، ترى لمياء لطفي، استشارية النوع الاجتماعي، أن الإشكالية لا تتعلق فقط بمواقف المجلس أو حجم مبادراته، وإنما تمتد إلى موقعه داخل منظومة صنع القرار. وتشير إلى ما تصفه بالتباس وضع المجلس بين استقلاله القانوني وعلاقته بمؤسسات الدولة، معتبرة أن هذا الوضع ينعكس على قدرته على ممارسة دوره الاستشاري والتأثير في التشريعات والسياسات العامة.
وتتساءل عن مدى جدوى وجود مجلس وطني معني بحقوق المرأة إذا لم يكن مشاركًا بصورة فعلية في مناقشة مشروعات القوانين التي تمس النساء مباشرة، وفي مقدمتها قوانين الأحوال الشخصية.
لكنها تلفت في الوقت نفسه إلى أن محدودية مشاركة المجلس في بعض الملفات التشريعية لا تكفي وحدها للحكم على أدائه، إذ يرتبط تأثير أي مؤسسة أيضًا بمدى إتاحة الفرصة لها للمشاركة في صنع القرار، وطبيعة علاقتها بالجهات التنفيذية والتشريعية.
انتقادات ممتدة بشأن التمثيل والاستقلال
وليس الجدل حول دور المجلس القومي للمرأة ومدى تمثيله للنساء المصريات جديدًا. فمنذ أعقاب ثورة 25 يناير 2011، واجه المجلس انتقادات من منظمات نسوية شككت في استقلاله وقدرته على التعبير عن مطالب النساء.
ففي فبراير 2011، أصدرت تسع منظمات نسوية بيانًا أعلنت فيه رفض الاعتراف بالمجلس ممثلًا للنساء المصريات، وطالبت بحله، منتقدة ما اعتبرته غيابًا لموقفه من الانتهاكات التي تعرض لها المصريون والمصريات منذ اندلاع الثورة.
وترى مي صالح أن جانبًا كبيرًا من أنشطة المجلس يتركز في مجالات يمكن للجمعيات والمؤسسات الأهلية العمل فيها، بينما يفترض أن يتميز دوره الوطني بالتأثير في السياسات العامة والتشريعات المتعلقة بحقوق النساء. وتضيف أن المجلس ينبغي أن يضطلع بدور أكبر في تنظيم حوار منتظم مع المؤسسات النسوية ومنظمات المجتمع المدني، لمناقشة المشكلات التي تواجه النساء وتحديد أولويات التدخل التشريعي والمؤسسي.
وبحسب صالح، فإن هذا الحوار لا يحظى بالاهتمام الكافي في الممارسة الفعلية للمجلس، كما أن المؤسسات النسوية لا تتلقى منه المساندة التي تتطلع إليها في جهودها الرامية إلى تعزيز المساواة بين الجنسين والدفع نحو تشريعات أكثر حماية لحقوق النساء.
تعود تجربة وفاء إلى الواجهة بعد استعراض أدوار المجلس القومي للمرأة واختصاصاته القانونية، لتكشف عن الفارق بين الخدمات التي يعلن إتاحتها والصعوبات التي قد تواجه النساء عند محاولة الحصول عليها. فقد لجأت إلى مكتب شكاوى المرأة بحثًا عن مساعدة تحميها من عنف زوجها، لكنها اضطرت في النهاية إلى البحث عن الدعم لدى مبادرة نسوية أهلية، بعدما تعذّر عليها الوصول إلى المكتب رغم محاولاتها المتكررة.
ويمنح القانون المجلس صلاحيات تشمل تلقي الشكاوى ومتابعتها، وتقديم المساعدة القانونية، والتنسيق مع الجهات المختصة، فضلًا عن اقتراح التشريعات وإبداء الرأي في السياسات المتعلقة بحقوق النساء. غير أن الوقائع التي وثقها التحقيق، وشهادات المتخصصات والقيادات النسوية، تضع فاعلية هذه الأدوات موضع تقييم، سواء في التعامل مع الحالات العاجلة أو في التأثير على السياسات والتشريعات.
وتتمثل مسؤولية المجلس في توظيف صلاحياته لضمان وصول النساء إلى الخدمات المعلنة، ومتابعة شكاواهن والتنسيق مع الجهات المعنية بحمايتهن، مع إتاحة بيانات توضح نتائج هذه التدخلات. فبالنسبة إلى وفاء وغيرها من النساء المعرضات للعنف، تتحدد قيمة هذه الخدمات بمدى إمكانية الوصول إليها والحصول على المساعدة في الوقت الذي يحتجن إليها.



