خريطة النجاة: كيف تحمين نفسك بعد التعرض للعنف الرقمي؟

إيفانا جرجس

في المقال السابق، تحدثنا عن العنف الميسر بالتكنولوجيا، أو ما يُعرف بالعنف الرقمي، وتأثيره في النساء والفتيات، وأهمية وجود سياسات أكثر فاعلية وخطوات جادة لمواجهته. ومن المهم أن نذكر أن خطورة هذا النوع من العنف لا تتوقف عند لحظة وقوع الاعتداء، إذ تبدأ بعدها مرحلة أكثر تعقيدًا تتعلق بقدرة الضحية على حماية نفسها، والحفاظ على الأدلة، والحصول على الدعم، والوصول إلى العدالة.

وتشير التجارب إلى أن كثيرًا من النساء لا يواجهن الاعتداء الرقمي وحده، وإنما يجدن أنفسهن أيضًا أمام ارتباك بشأن الخطوات الواجب اتخاذها، وخوف من الوصم، أو من تصاعد الهجوم، أو من تجاهل البلاغات وعدم التعامل معها بجدية. ومن هنا، فإن مواجهة العنف الرقمي تتطلب منظومة متكاملة تبدأ بالوعي، ثم التوثيق والإبلاغ، وتمتد إلى توفير الدعم القانوني والنفسي والمجتمعي.

وفي هذا السياق، تمثل الوقاية خط الدفاع الأول، بينما يشكل الإبلاغ الخطوة الفاصلة بين تحول العنف إلى واقع دائم، وبين محاسبة مرتكبيه والحد من تكرار الانتهاكات. ومع ذلك، لا يزال الإبلاغ عن العنف الرقمي أحد أكثر المراحل تعقيدًا بالنسبة للضحايا. فالكثيرات لا يعرفن من أين يبدأن، أو يفتقرن إلى المعلومات حول آليات الإبلاغ، أو يخشين أن تتحول رحلة البحث عن العدالة إلى تجربة جديدة من التشكيك والوصم.

ولا ينبغي النظر إلى الإبلاغ باعتباره مجرد إجراء قانوني، وإنما بوصفه خطوة أساسية لحماية الضحية والحد من تكرار الانتهاكات بحقها وبحق أخريات. فكل بلاغ موثق يسهم في كشف أنماط الاعتداء، ويساعد الجهات المعنية والمنصات الرقمية على التدخل في وقت مبكر، بما يحد من اتساع دائرة الضرر ويمنع تكرار الانتهاكات.

وقد أتاحت معظم منصات التواصل الاجتماعي خلال السنوات الأخيرة أدوات للإبلاغ عن المحتوى المسيء، سواء تعلق الأمر بالتحرش أو التنمر أو التهديد أو نشر الصور الحميمة أو انتحال الهوية أو خطاب الكراهية. كما توفر منصات مثل فيسبوك، وإنستجرام، وإكس، وتيك توك، وواتساب، مسارات واضحة للإبلاغ عن المنشورات أو الرسائل أو الحسابات، إضافة إلى إمكانية حظر المعتدي ومنعه من التواصل مع الضحية.

ورغم أن هذه الأدوات لا تعمل دائمًا بالكفاءة المطلوبة، فإن استخدامها يظل خطوة ضرورية، ليس فقط لإزالة المحتوى المسيء، بل أيضًا لبناء سجل من البلاغات قد يساعد في التعامل مع الحسابات التي تمارس الإساءة بصورة متكررة أو منظمة.

ولا تنتهي مسؤولية المنصات الرقمية عند توفير زر للإبلاغ. فهذه المنصات أكبر من كونها مجرد وسيلة للتواصل بين المستخدمين، إذ أنها أصبحت مساحة رئيسية للنقاش العام، تؤثر في من يستطيع التعبير عن رأيه، ومن ينسحب تحت وطأة الإساءة أو التهديد. ومن هذا المنطلق، يقع على عاتقها دور أكبر في توفير بيئة رقمية أكثر أمانًا، من خلال تطوير سياسات أكثر استجابة للعنف القائم على النوع الاجتماعي، والتعامل السريع مع البلاغات، وتوفير أدوات فعالة لحماية الضحايا، خاصة في حالات الهجمات المنظمة، أو نشر البيانات الشخصية، أو تداول الصور الحميمية دون موافقة أصحابها.

وفي المقابل، يمثل المسار القانوني أحد أهم أدوات الحماية في مواجهة العنف الرقمي. فالكثير من هذه الانتهاكات قد يرقى إلى جرائم يعاقب عليها القانون، مثل التهديد، والابتزاز، والتشهير، وانتهاك الخصوصية، واختراق الحسابات، أو النشر غير المشروع للبيانات الشخصية. ولهذا، يصبح اللجوء إلى الجهات المختصة، وفي مقدمتها إدارة مكافحة جرائم تقنية المعلومات ( مباحث الإنترنت)، خطوة ضرورية، بما يضمن حماية الضحية ومساءلة المسؤولين عن الانتهاك.

وتظل فاعلية هذا المسار مرتبطة بجودة التوثيق. إذ أن لقطات الشاشة، وروابط الحسابات، وأرقام الهواتف، وتسلسل الوقائع، تمثل أدلة أساسية يمكن أن يعتمد عليها في فحص البلاغ وإثبات الواقعة. وكلما كان التوثيق أكثر دقة واكتمالًا، زادت فرص اتخاذ الإجراءات القانونية المناسبة والوصول إلى نتائج أكثر فاعلية.

وفي هذا السياق، تبرز أهمية ما يُعرف بـ"النظافة الرقمية"، وهي مجموعة من الممارسات اليومية التي تساعد على تقليل فرص التعرض للاستهداف. ويشمل ذلك حذف الحسابات غير المستخدمة، ومراجعة التطبيقات التي تمتلك صلاحية الوصول إلى البيانات الشخصية، وفحص الأجهزة بصورة دورية، وتقليل المعلومات الشخصية المتاحة للعامة كلما أمكن. وتزداد أهمية هذه الخطوات لأن كثيرًا من الهجمات الرقمية تستغل ثغرات بسيطة أو نقصًا في الوعي بإجراءات الحماية، أكثر من اعتمادها على وسائل تقنية معقدة.

وعند وقوع الاعتداء، يصبح التوثيق الخطوة الأهم. فكثير من الضحايا يحذفن الرسائل أو التعليقات المسيئة بدافع الخوف أو الرغبة في تجاوز التجربة سريعًا، لكن هذا التصرف قد يؤدي إلى فقدان أدلة يصعب استعادتها لاحقًا.

ومن الأفضل الاحتفاظ بلقطات شاشة تتضمن تاريخ الرسائل وساعتها، وحفظ روابط الحسابات أو أرقام الهواتف المستخدمة في الاعتداء، والاحتفاظ بأي معلومات قد تساعد على إثبات الواقعة. فالتوثيق الدقيق يعزز فرص التعامل الجاد مع البلاغ، ويوفر أدلة يمكن الاستناد إليها عند مخاطبة المنصات أو اللجوء إلى الجهات المختصة.

وبالمثل، فإن الانخراط في سجال مباشر مع المعتدي نادرًا ما يكون حلًا. فالكثير من حملات التحرش الرقمي تقوم أساسًا على استدراج الضحية إلى التفاعل، بهدف توسيع دائرة الانتشار أو تصعيد الهجوم. ولهذا، قد يكون الامتناع عن الرد، مع توثيق الواقعة والإبلاغ عنها، أكثر فاعلية من الدخول في معارك لا تنتهي داخل منصات صُممت في الأساس لتعظيم التفاعل.

ورغم أهمية المسار القانوني، فإن آثاره تظل محدودة إذا اقتصر على معاقبة الجاني. فالعنف الرقمي يترك وراءه آثارًا نفسية واجتماعية ومهنية قد تستمر حتى بعد حذف المحتوى المسيء أو إغلاق الحسابات المرتبطة بالاعتداء. ولهذا، تحتاج الضحية في كثير من الأحيان إلى دعم يساعدها على تجاوز ما تعرضت له، واستعادة شعورها بالأمان.

ومن هنا، تبرز أهمية شبكات الدعم التي توفرها المؤسسات المتخصصة، ومبادرات المجتمع المدني، والجهات التي تقدم المساندة القانونية أو التقنية أو النفسية. فالتعامل مع العنف الرقمي يتطلب استجابة متكاملة تواكب احتياجات الضحايا في مختلف مراحل التعافي، سواء باستعادة حساباتهم وبياناتهم، أو توضيح حقوقهم القانونية، أو تقديم الدعم النفسي الذي يساعدهم على تجاوز آثار التجربة.

وتوجد في العالم العربي أيضًا مبادرات ومنظمات تقدم خدمات متخصصة لدعم ضحايا العنف الرقمي، من بينها منصة دعم السلامة الرقمية التابعة لمنظمة "سمكس"، التي توفر المساعدة للصحفيات والناشطات ومستخدمي الإنترنت، إلى جانب مؤسسات تعمل في مجال الحقوق الرقمية، مثل "مسار"، ومبادرات تقدم استشارات قانونية وتقنية، أو خطوط مساعدة لضحايا الابتزاز والعنف الرقمي. وتسهم هذه المبادرات في توفير دعم عملي يساند الضحايا، ويكمل الأدوار التي تضطلع بها الجهات الرسمية.

ويمتد هذا الدور إلى الدائرة المحيطة بالضحية أيضًا. فالأصدقاء، والزملاء، وأفراد الأسرة، يمكنهم الإسهام في الحد من آثار الاعتداء إذا تعاملوا مع الواقعة بمسؤولية. ويبدأ ذلك بالوقوف إلى جانب الضحية، واحترام خصوصيتها، والإبلاغ عن المحتوى المسيء، والمساعدة في توثيق الانتهاكات، وتوجيهها إلى جهات الدعم المناسبة، مع الحرص على عدم إعادة نشر المحتوى المسيء أو المساهمة في توسيع انتشاره.

ولابد من التذكير بأن التشكيك في رواية الضحية، أو تحميلها مسؤولية ما تعرضت له، أو مطالبتها بالصمت، إلى مضاعفة الضرر وإطالة أمد المعاناة. وفي حالات الهجمات المنظمة، قد يكون هذا التضامن أحد أهم العوامل التي تساعد الضحية على تجاوز شعورها بالعزلة، وتحد من قدرة المعتدين تحقيق أهدافهم الدنيئة.

في النهاية، لا يرتبط العنف الميسر بالتكنولوجيا بالأجهزة أو المنصات بقدر ارتباطه بكيفية استخدام هذه الأدوات، وبعلاقات القوة التي تسمح باستمرار الانتهاكات. فقد منحت التكنولوجيا المعتدين وسائل أسرع للوصول إلى الضحايا، وأوسع انتشارًا، وأكثر قدرة على إخفاء الهوية، ما جعل آثار العنف تمتد إلى ما هو أبعد من الشاشة.

ولهذا، تتطلب مواجهة هذه الظاهرة جهدًا تشارك فيه الدولة، والمنصات الرقمية، ومنظمات المجتمع المدني، ووسائل الإعلام، والمستخدمون أنفسهم. فلكل طرف دور في بناء فضاء رقمي أكثر أمانًا، يضمن للنساء والفتيات المشاركة والتعبير عن آرائهن من دون خوف.

فسلامة الفضاء الرقمي لا تقاس بعدد الحسابات التي تُحظر، وإنما بقدرة النساء على استخدامه بحرية، والعمل، والتعبير، والمشاركة في النقاش العام من دون أن يتحول حضورهن إلى سبب للتشهير أو التهديد أو الابتزاز. فكل امرأة تضطر إلى الانسحاب من هذا الفضاء تحت وطأة العنف لا تخسر وحدها، وإنما يخسر المجتمع صوتًا وخبرةً ومساحةً جديدة للحوار.