كيف أعادت التكنولوجيا تشكيل العنف ضد النساء؟
إيفانا جرجس
مع انتشار الإنترنت، اعتقد كثيرون أنه سيكون مساحة مفتوحة للجميع للتعبير عن آرائهم، والتواصل مع الآخرين، وتبادل المعرفة والأفكار. ومع مرور الوقت، أصبح الإنترنت جزءًا من حياتنا اليومية؛ من أجل العمل والدراسة والتواصل مع الآخرين.
في المقابل، مع اتساع استخدام الإنترنت، انتقلت إليه أيضًا أشكال العنف والتمييز التي كانت موجودة في الواقع، وظهرت أنماط جديدة فرضتها البيئة الرقمية. فلم يعد العنف يقتصر على الشارع أو مكان العمل، إذ امتد إلى خلف الشاشات، عبر التعليقات المسيئة والاختراق، وحملات التشهير، والتهديد، والابتزاز والتحريض وغيرها من الممارسات التي تطال ملايين المستخدمين كل يوم.
ولعل النساء والفتيات هن الأكثر تعرضًا لهذا التحول. فمع اتساع حضورهن في المجال العام، سواء كصحفيات أو ناشطات أو باحثات أو صانعات محتوى أو حتى كمستخدمات عاديات لمنصات التواصل الاجتماعي، بات العنف الميسر بالتكنولوجيا والمعروف بـ"العنف الرقمي" أحد أكثر التحديات التي تهدد حقهن في المشاركة الآمنة في الفضاء الرقمي.
ولذلك، لم يعد استخدام مصطلحات مثل "التحرش الإلكتروني" أو "التنمر الإلكتروني" كافيًا لفهم حجم المشكلة. فهذه الممارسات تندرج ضمن مفهوم أوسع يسمى بـ"العنف ضد النساء والفتيات الميسر بالتكنولوجيا" أو "العنف القائم على النوع الاجتماعي الذي تسهله التكنولوجيا"، وهو المصطلح الذي تتبناه هيئة الأمم المتحدة للمرأة لوصف أي فعل يُرتكب أو يُسهَّل أو يتفاقم باستخدام التكنولوجيا الرقمية، ويؤدي إلى ضرر جسدي أو نفسي أو جنسي أو اجتماعي أو اقتصادي أو سياسي، أو إلى انتهاك الحقوق والحريات.
وتتفق المؤسسات الدولية على أن التكنولوجيا أصبحت عنصرًا يضاعف تأثير العنف وسرعة انتشاره وصعوبة احتوائه. ولهذا يعرّف صندوق الأمم المتحدة للسكان العنف الإلكتروني بأنه كل فعل عنيف يُرتكب أو يُحرَّض عليه باستخدام الإنترنت أو الهواتف المحمولة أو وسائل التواصل الاجتماعي أو البريد الإلكتروني وغيرها من وسائل الاتصال الرقمية.
غير أن خطورة هذا النوع من العنف لا تكمن فقط في اتساع نطاقه، وإنما أيضًا في تنوع صوره وأساليبه. فقد يبدأ بابتزاز الضحية وتهديدها بنشر صور أو مقاطع خاصة، أو نشر صور حميمية دون موافقتها، سواء كانت حقيقية أو جرى التلاعب بها باستخدام برامج متخصصة لتحرير الصور أو تقنيات الذكاء الاصطناعي. وقد يمتد إلى نشر بياناتها الشخصية، مثل عنوان المنزل أو مكان العمل أو رقم الهاتف، بقصد تعريضها للمضايقة أو التهديد، أو التحريض عليها، بما يجعلها تشعر بأن حياتها الخاصة أصبحت مكشوفة ومعرضة للخطر.
يشمل العنف الرقمي أيضًا الملاحقة الإلكترونية، وخطاب الكراهية، وانتحال الهوية عبر إنشاء حسابات مزيفة لتشويه السمعة، واختراق الحسابات الشخصية، واستدراج النساء والفتيات عبر الإنترنت تمهيدًا للاعتداء عليهن، واستخدام التطبيقات لتتبع مواقعهن الجغرافية، فضلًا عن أشكال أخرى أكثر تعقيدًا، تجعل التكنولوجيا نفسها أداة لإعادة إنتاج العنف القائم على النوع الاجتماعي.
ولأن التكنولوجيا تتيح الوصول إلى أعداد هائلة من الأشخاص في وقت قصير، فقد ظهرت أشكال جديدة من الاعتداءات الرقمية يصعب حصر آثارها. منها حملات جماعية يتعاون فيها مستخدمون على كشف هوية شخص ما، وجمع بياناته الشخصية، وتتبع حساباته، تمهيدًا لاستهدافه أو التحريض عليه. ومنها أيضًا حملات منظمة تُغرق الضحية بآلاف التعليقات المسيئة ورسائل التهديد والإهانة في وقت واحد، بهدف إنهاكها نفسيًا، ودفعها إلى الصمت أو الاعتذار أو الانسحاب من النقاش العام.
وهذه الممارسات أصبحت جزءًا من واقع رقمي تؤكده الأرقام. فوفقًا لهيئة الأمم المتحدة للمرأة، تعرضت ما بين 16 و58 في المئة من النساء حول العالم لشكل واحد على الأقل من أشكال العنف الرقمي، وهي نسبة متباينة لاختلاف الدراسات والمناطق الجغرافية، لكنها تكشف في الوقت نفسه أن الظاهرة لم تعد هامشية. في المقابل، أقل من 40 في المئة من الدول لديها قوانين تحمي النساء من التحرش الإلكتروني أو المطاردة الإلكترونية. وهذا يترك 44 في المئة من نساء وفتيات العالم، أي 1.8 مليار امرأة، دون حماية قانونية، وفقًا لبيانات البنك الدولي.
وتزداد الصورة قتامة في المنطقة العربية، التي تسجل أعلى معدلات التعرض للعنف الميسر بالتكنولوجيا؛ إذ تشير الدراسات إلى أن نحو 60 في المئة من مستخدمات الإنترنت في المنطقة تعرضن لشكل من أشكال العنف الرقمي خلال حياتهن. كما أفادت قرابة نصف النساء بأنهن لا يشعرن بالأمان أثناء استخدام الإنترنت بسبب التحرش الإلكتروني، بينما ذكرت نسبة كبيرة أنهن تعرضن للإساءة أكثر من مرة، وهو ما يؤكد أن الأمر لا يتعلق بحوادث فردية، وإنما بنمط متكرر من الانتهاكات.
وتكشف الأرقام جانبًا آخر أكثر خطورة، وهو ردود الفعل المجتمعية تجاه الضحايا. فبدلًا من تقديم الدعم، طُلب من كثير من النساء تجاهل ما تعرضن له، بينما تعرضت أخريات للوم أو التشكيك، فيما تعرض بعضهن للعنف داخل الأسرة بعد وقوع الاعتداء الرقمي. وهنا يتضاعف الضرر؛ لأن الضحية لا تواجه المعتدي وحده، وإنما تواجه أيضًا بيئة اجتماعية قد تنكر حقها في الحماية أو تحملها مسؤولية ما وقع عليها.
وتتجلى هذه الأزمة بصورة أوضح لدى الصحفيات والناشطات والمدافعات عن حقوق الإنسان، اللواتي يتصدرن الفئات الأكثر استهدافًا. فاستهدافهن لا يرتبط فقط بكونهن نساء، وإنما أيضًا بحضورهن في المجال العام، وإبدائهن آراء قد تثير حملات منظمة من الكراهية أو التشهير أو الترهيب، في محاولة لإقصائهن عن النقاش العام وإسكات أصواتهن.
العنف الرقمي ليس مشكلة افتراضية تنتهي بإغلاق الهاتف أو تسجيل الخروج من منصة إلكترونية، فهو عنف حقيقي يترك آثارًا ممتدة على الصحة النفسية، والعلاقات الاجتماعية، وفرص العمل، وقد يصل في بعض الحالات إلى تهديد السلامة الجسدية. ومع اتساع هذه الظاهرة، يصبح التعامل معها باعتبارها إساءات عابرة على الإنترنت غير كافٍ، لأنها ترتبط بحقوق أساسية مثل الأمان والخصوصية وحرية التعبير. وتبدأ مواجهة هذا النوع من العنف من خلال توفير بيئة رقمية أكثر أمانًا، ووضع سياسات أكثر فاعلية، والأهم أن تتسم الخطوات العملية لمواجهته بسرعة التحرك، وحماية المبلِّغات، والاستجابة الجادة للشكاوى، ومحاسبة المتسببين في هذه الانتهاكات.