في السابعة صباحًا، يقف خالد سيد، 32 عامًا، على جانب طريق جسر السويس في حي عين شمس بالقاهرة، منتظرًا لحظة تهدأ فيها حركة السيارات ليعبر إلى الجهة الأخرى، في طريقه إلى عمله بحي السلام. وقد تمتد دقائق الانتظار، بينما تتحرك السيارات أمامه عبر طريق اتسعت حاراته خلال السنوات الأخيرة.
بالنسبة لخالد، لا يتعلق العبور بالتأخير فقط. ففي إحدى المرات، كان صوت فرامل سيارة آخر ما سمعه قبل أن يفقد وعيه أثناء محاولته عبور الطريق. خلّف الحادث كدمات متفرقة في جسده، واحتاج إلى نحو أسبوعين للتعافي.
ومنذ ذلك الحين، أصبح خالد يرى رحلته اليومية باعتبارها اختيارًا بين بديلين مكلفين: إما امتلاك سيارة لا يستطيع تحمل تكلفتها بسهولة، أو الاستمرار في عبور طريق سريع لا يجد بالقرب منه، بحسب روايته، وسيلة آمنة ومباشرة للعبور.
اتسعت الحارات وضاقت الاختيارات أمام العابرين
لم يكن الطريق الذي يعبره خالد يوميًا على هذه الصورة قبل سنوات. فمنذ أواخر عام 2019، شهد محور جسر السويس أعمال تطوير وتوسعة ضمن خطة محافظة القاهرة لرفع كفاءة عدد من المحاور الرئيسية وتحسين السيولة المرورية. ويمتد الطريق عبر مناطق ذات كثافة سكانية وحركة يومية مرتفعة، من بينها "ألف مسكن" و"عين شمس" و"النزهة الجديدة"، وصولًا إلى السلام.
وعلى امتداد الطريق، تتقاطع حركة السيارات مع احتياجات يومية لسكان المناطق المحيطة به. ففي ألف مسكن، على سبيل المثال، توجد محطة للخط الثالث لمترو الأنفاق وموقف لسيارات النقل الجماعي، إلى جانب محال تجارية وخدمات يعتمد عليها السكان، ما يجعل الوصول إلى جانبي الطريق وعبوره جزءًا من الحركة اليومية في المنطقة.
لكن مع اتساع الطريق، يقول خالد إن عبوره أصبح أكثر صعوبة. ووفق روايته، "زادت سرعة حركة السيارات" والمساحة التي تشغلها المركبات، بينما لا تتوافر في المنطقة نقطة عبور آمنة أو كوبري مشاة يمكنه الوصول إليه بسهولة. وفي ديسمبر 2022، طالب سكان مدينة جسر السويس الجديدة بإنشاء كوبري للمشاة بعد أعمال التوسعة، على خلفية تعدد حوادث السير على الطريق، إذ أصبح يضم ما يقارب 14 حارة في الاتجاهين بعد أن كان يضم 4 حارات فقط قبل أعمال التطوير.
ولم تقتصر أعمال تطوير شبكة الطرق في القاهرة الكبرى على زيادة عدد الحارات المرورية، وإنما تضمنت إنفاقًا حكوميًا على مشروعات التوسعة. ففي مايو 2020، أعلنت محافظة القاهرة أن تكلفة تطوير 4.7 كيلومترات من شارع جسر السويس، بين شارع القبة وميدان الألف مسكن، بلغت نحو 48 مليون جنيه، وشملت توسعة عرض الطريق في كل اتجاه من 11.5 متر إلى 22.5 متر، وإعادة توزيع الإنارة وزراعة الجزيرة الوسطى. وعلى مستوى الطريق الدائري حول القاهرة الكبرى. كما أظهرت بيانات وزارة النقل المنشورة في 2024 أن تكلفة المرحلة الأولى من أعمال التطوير والتوسعة، بطول 76 كيلومترًا، بلغت 11.2 مليار جنيه.
ولا تتوقف صعوبة التنقل، في بعض الحالات، عند عبور الطريق نفسه، إذ تمتد إلى الوصول إلى وسائل المواصلات، كما في تجربة رقية محمود (26 عامًا)، التي تنتظر سيارات الميكروباص المتجهة إلى حي المعادي عند مدخل الطريق الدائري بمنطقة المنيب في الجيزة.
تقول رقية لـ"أثر" إن الوصول إلى وسيلة المواصلات التي تعتمد عليها في الذهاب إلى عملها أصبح يتطلب منها الصعود إلى الطريق الدائري نفسه، بعدما تغيرت أماكن وقوف الميكروباصات عقب أعمال التوسعة. فبحسب روايتها، كانت سيارات الميكروباص المتجهة إلى المعادي تتوقف قبل التوسعة عند مخرج الطريق، لكنها انتقلت لاحقًا إلى أعلى الدائري، إذ أصبح البقاء على الطريق أسهل للسائقين من النزول منه ثم الصعود إليه مجددًا لبدء الرحلة.
وتضيف: "سواقين الميكروباصات متأكدين إننا هنطلع الطريق علشان مضطرين، وفي المقابل، بعد التوسيعات وتغيير أماكن المداخل والمخارج، الأوفر والأسهل ليهم إنهم يفضلوا على الطريق، ومفيش كوبري مشاة أو أماكن انتظار لينا".
بحسب حصر أجرته معدّة التحقيق للمشروعات المنفذة في القاهرة الكبرى عبر موقع "خريطة مشروعات مصر"، شملت أعمال تطوير الطرق بين عامي 2018 و2022 عددًا من المحاور المارة بمناطق سكنية كثيفة، من بينها مصر الجديدة وعين شمس والمرج والسلام ودار السلام وحلوان وطره، إلى جانب مناطق بالجيزة والقليوبية. وتضمنت مشروعات عدة توسيع الحارات المرورية وتعديل المداخل والمخارج، بما أعاد تشكيل حركة السيارات والمشاة في محيط هذه المناطق.
وسُجلت ثمانية كباري ونفق مشاة تحت اسم حي عين شمس، إلى جانب منشآت مشتركة مع حي المطرية، بينما أمكن تحديد خمسة مواقع على الأقل في مصر الجديدة، وثلاثة في حي البساتين، واثنين في دار السلام، وأربعة في طره، وستة في حلوان.
لكن توزيع هذه الكباري لا يرتبط بالضرورة بالتوسعات؛ فبعضها يعبر خطوط المترو أو يقع داخل الأحياء بعيدًا عن الطرق محل التحقيق.ففي جسر السويس الجديدة، طالب السكان في 2022 بإنشاء كوبري مشاة أو إشارة لعبور الطريق بعد توسعته. وفي محور الفريق إبراهيم العرابي بحي السلام أول، بدأت المحافظة تنفيذ كباري للمشاة استجابة لشكاوى السكان وتكرار الحوادث. وفي حي دار السلام، انتهت مطالبات الأهالي بوقف نزيف الأرواح على الطريق بإنشاء كوبري مشاة.
من يملك عبورًا آمنًا؟
كشف تقرير لمديرية الطرق بمحافظة القاهرة أن العاصمة تضم 242 كوبريًا، بينها 142 كوبريًا للسيارات، بواقع 104 كباري خرسانية و38 كوبريًا معدنيًا، مقابل 100 كوبري مشاة معدني. وبذلك تمثل كباري المشاة نحو 41.3% من إجمالي الكباري، مقابل نحو 58.7% لكباري السيارات. كما سجّل التقرير 52 نفقًا، منها 23 نفقًا للمشاة و29 نفقًا للسيارات، بما يعادل نحو 44.2% للمشاة مقابل 55.8% للسيارات.
توضح النسب المذكورة توضح التوزيع الإجمالي للكباري بين المشاة والسيارات على مستوى القاهرة، لكنها في الوقت نفسه ليست دليلًا على أن أنها كافية لوجود نقاط عبور آمنة داخل الأحياء. فعلى سبيل المثال، يضم حي عين شمس ثمانية كباري للمشاة ونفقًا واحدًا، رغم الكثافة السكانية المرتفعة للحي. وبحسب أحدث تحديث لإحصائيات السكان، يبلغ عدد سكان الحي نحو 674.9 ألف نسمة، على مساحة كلية تقدر بنحو 17 كيلومترًا مربعًا، فيما لا تتجاوز المساحة المأهولة 5.18 كيلومترات مربعة، بما يعادل كثافة تقارب 130 ألف نسمة لكل كيلومتر مربع مأهول.ما يطرح سؤالًا حول مدى كفاية عدد كباري المشاة وتوزيعها داخل هذا الحي وكتلته السكانية الكثيفة، وعلى امتداد الطرق التي تشهد حركة مرتفعة للمشاة السيارات.
في هذا السياق، تضع بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء المنشورة في أبريل 2026، حي المرج ضمن أكثر أحياء القاهرة سكانًا، وتشير إلى أنه يستحوذ على نحو 8% من سكان المحافظة. ويبلغ أحدث عدد تفصيلي منشور للسكان 873 ألف نسمة في يوليو 2025، فيما تبلغ المساحة الكلية للحي نحو 41.96 كيلومترًا مربعًا، منها نحو 7.71 كيلومترات مربعة مأهولة؛ ما يرفع الكثافة في المساحة المأهولة إلى نحو 113 ألف نسمة لكل كيلومتر مربع.
وفي مقابل هذه الكثافة، يوجد ثلاثة كباري مشاة تحت اسم حي المرج مباشرة، هي: كوبري المرج أمام النقطة، وكوبري المرج أمام السنترال، وكوبري زلاقة الشيخ منصور، إضافة إلى ثلاثة مواقع مشتركة مع حي المطرية هي كباري مؤسسة الزكاة، وجزيرة النخل البحري، وعزبة النخل القبلي.
وتكشف مواقع هذه المنشآت عن تمركز جزء كبير منها حول خط المترو والمناطق الفاصلة بين المرج الشرقية والغربية؛ إذ سبق أن وصفت محافظة القاهرة كباري الشيخ منصور والسنترال والنقطة بأنها ثلاثة كباري للمشاة أعلى خط المترو، تربط جانبي الحي.
ومع تشغيل مشروع الأتوبيس الترددي على الطريق الدائري، أضيفت نقطة عبور أخرى في نطاق المرج عبر نفق للمشاة يخدم محطة المرج، ويربطها بمنطقة المرج الجديدة ومحور المرج-الخانكة، مع إمكانية التبادل مع الخط الأول لمترو الأنفاق. وبذلك تتمركز نقاط العبور حول خط المترو، وعزبة النخل، ومؤسسة الزكاة، والطريق الدائري.
من القاهرة إلى الجيزة الأزمة تمتد
وفي الجيزة، أظهرت بيانات "وصف مصر بالمعلومات"، الصادر عن مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار في يناير 2025، وجود 85 كوبريًا وفق بيانات 2021/2022، عند جمع الكباري التابعة للهيئة العامة للطرق والكباري وتلك التابعة لمديريات الطرق والمحليات. وشملت 76 كوبريًا للمركبات والسيارات وتسعة كباري للمشاة، لتشكل كباري المشاة نحو 10.6% من الإجمالي.
أما في القليوبية، فسجّل المصدر نفسه 26 كوبريًا للمركبات، من دون تسجيل أي كوبري للمشاة ضمن نطاق الجهات التي يشملها الجدول. كما لم تعثر "أثر" على حصر رسمي منشور يجمع عدد كباري المشاة القائمة في القليوبية أو يوضح توزيعها على مدن ومراكز المحافظة، التي تمتد على مساحة تقارب 1001 كيلومتر مربع. ومع ذلك، حصرت معدة التقرير ما لا يقل عن ثمانية كباري مشاة قائمة أو جارٍ إنشاؤها أو تطويرها في مناطق مختلفة من المحافظة، من بينها شبرا الخيمة وقليوب وبنها. ويمثل هذا الرقم إجمالي كباري المشاة في القليوبية، الذي أمكن التحقق منه عبر بيانات المحافظة والمصادر المنشورة.
لا تظهر مشكلة العبور في الخرائط وأعداد الكباري وحدها. فبالنسبة إلى مستخدمي الطرق، ترتبط التجربة اليومية بمدى قرب نقطة العبور، وسرعة السيارات، وعدد الحارات، والوقت الذي يحتاجه الشخص للوصول إلى الجانب الآخر بأمان.
ولرصد هذه التجربة، أجرت معدة التحقيق، استبيانًا إلكترونيًا شمل 53 مشاركًا ومشاركة من مستخدمي عدد من الطرق والمحاور في القاهرة الكبرى، من بينها الطريق الدائري، والدائري الأوسطي، والأوتوستراد، وجسر السويس، وطريق الـ100 الممتد من جسر السويس إلى السلام، ومحورا حسب الله الكفراوي وكمال عامر. وأفاد 42 من أصل 53 مشاركًا بأنهم يستخدمون الطريق الذي أشاروا إليه أكثر من مرة واحدة يوميًا.
أظهرت النتائج أن أغلب المشاركين يواجهون صعوبة في عبور الطرق التي يستخدمونها يوميًا. حيث أكد 46 من أصل 53 مشاركًا، إن عبور الطريق يمثل لهم مشكلة. كما ذكر 37 مشاركًا، أي نحو 70%، أنهم لا يجدون كوبري مشاة قريبًا منهم.
وعند غياب نقطة عبور آمنة، يلجأ المشاركون إلى عدة طرق للتعامل مع الوضع، مثل انتظار وجود فجوة بين السيارات، أو العبور ضمن مجموعة، أو استخدام وسيلة مواصلات إضافية للوصول إلى الجهة الأخرى. كما وصف بعضهم طريقة عبورهم بأنها عشوائية، بينما قال آخرون إنهم يضطرون إلى الجري أثناء العبور.
وممن أفادوا بوجود كوبري مشاة قريب، وصف عدد منهم مشكلات تحول دون استخدامه فعليًا: سلالم طويلة أو غير مريحة، مصاعد أو سلالم كهربائية معطلة في أغلب الأحيان، إضاءة ليلية غائبة، أو مسافة كبيرة يستلزم قطعها للوصول إليه أصلًا.
كما قال 46 من أصل 53 مشاركًا إنهم يسمعون أو يقرؤون عن حوادث على الطرق التي يستخدمونها بصورة يومية. وأظهرت الإجابات أيضًا شعورًا محدودًا بالأمان عند تصور عبور أفراد الأسرة لهذه الطرق؛ إذ قال 51 من أصل 52 مشاركًا ممن أجابوا عن هذا السؤال إنهم لا يشعرون بالأمان في هذه الحالة.
ولا تكفي هذه النتائج لتعميم تجربة المشاركين على جميع سكان القاهرة الكبرى، إذ إن الاستبيان استكشافي، اعتمد على عينة إلكترونية (53 مشاركًا)، وغير ممثل إحصائيًا للسكان. لكنها تساعد في إظهار أنماط متكررة في تجارب مستخدمين لطرق مختلفة، خاصة فيما يتعلق بصعوبة العبور، وبعد نقاط المشاة عن مسارات الحركة اليومية، وضعف الثقة في الكباري القائمة حيثما وُجدت.
في السياق، يرى الدكتور حمدي البرغوثي، خبير الطرق والنقل، أن الطرق في السنوات الخمس الأخيرة موجهة للسيارات، في مقابل عدم تنفيذ شبكة مواصلات عامة تعوض السكان الذين لا يمتلكون سيارات، مؤكدًا أن جزءًا من المدينة أصبح محجوبًا عن باقي السكان، لا يصل إليه إلا ملاك السيارات.
ويضيف البرغوثي لـ«أثر» أن هناك، إلى جانب ذلك، خللًا في تصميم الطرق؛ إذ تقع أغلب مخارج الطريق الدائري في ميادين عامة أو بالقرب من محطة مترو أو محطة أتوبيسات، ما يعرّض مستخدمي الطريق لخطر الحوادث، مشيرًا إلى أن صناع القرار في مصر لا يضعون في حسابهم الفراغ العام ومساحات السكان، بل تجبرهم السياسات على شراء سيارات في وضع اقتصادي صعب.
ووصل عدد المركبات في مصر بعام 2025 إلى 11.05 مليون مركبة، منها 5.7 مليون سيارة خاصة (ملاكي)، فيما جاءت القاهرة في المرتبة الأولى على مستوى الجمهورية، إذ بلغ عدد المركبات بها 2.8 مليون مركبة، تشكل نحو ربع ملكية السيارات في مصر، تليها محافظة الجيزة بـ1.6 مليون مركبة.
ويشير البرغوثي إلى أن الطريق، في أساس فكرته، يخلق طريقة للحياة، إذ ينقل السكان من نقطة إلى نقطة، من منزل إلى مدرسة أو مكان عمل أو سوق تجاري، لكنه لا يجب أن يستحوذ على المساحة الأكبر طبقًا للمعايير العالمية.
واعتبرت الجمعية الأمريكية لموظفي الطرق السريعة والنقل، عبر الإصدار السابع للكتاب الأخضر الخاص بمعايير إنشاء الطرق، الصادر عام 2018، أن من بين هذه المعايير توفير أماكن لعبور المشاة، وتصميم الطريق ليسمح بمساحة للدراجات، وتنفيذ أرصفة بأبعاد واضحة. كما يؤكد الكتاب أن عدد وعرض الحارات يُحدَّد طبقًا لنوع الطريق والسرعة والسياق، ولا يوجد رقم يمكن تطبيقه على جميع الطرق.
الهوس بالحارات المرورية
لم يتأقلم أحمد عبد الناصر، 30 عامًا، مع التحول الذي طرأ على الشارع الذي يسكن فيه بمنطقة العزبة البيضاء في المرج، بعد أن أصبح جزءًا من أحد مداخل ومخارج الطريق الدائري عقب أعمال التوسعة. ويقول إن رحلة قصيرة إلى متجر يقع أمام منزله أصبحت تتطلب حذرًا أكبر مع حركة السيارات السريعة بالقرب من المنطقة السكنية والسوق.
وبدأت أعمال التطوير الشامل للطريق الدائري حول القاهرة الكبرى في 2019، وشملت توسيع قطاعات كانت تتكون من أربع حارات في كل اتجاه، لتصل إلى سبع حارات في قطاعات عدة، وثماني حارات في كل اتجاه عند كوبري المنيب، إلى جانب تطوير المداخل والمخارج والكباري والأنفاق. وقدمت الجهات الرسمية هذه الأعمال باعتبارها وسيلة لاستيعاب أحجام الحركة المرورية وتقليل زمن الرحلات وتحسين السيولة على الطريق.
لكن بالنسبة إلى أحمد، انعكس هذا التغيير على شكل الحياة أسفل منزله. إذ يقول لـ«أثر»: "فجأة حسيت إن حد فتح طريق سريع تحت بيتي"، مضيفًا أن اتساع الطريق وزيادة حركة السيارات جعلا عبوره أكثر صعوبة داخل منطقة سكنية اعتاد التحرك فيها يوميًا.
ويصف طاهر عبد الغني، الباحث المعماري والأستاذ بجامعة أكتوبر للعلوم الحديثة، هذا التوجه بأنه "هوس بتوسيع الحارات المرورية"، ويرى أن التركيز على زيادة المساحة المخصصة لحركة السيارات أعاد تشكيل علاقة السكان بالشوارع والفراغات العامة في مناطق من القاهرة، وجعل بعض الرحلات القصيرة أطول أو أكثر اعتمادًا على المركبات، بحسب تحليله.
وتأتي هذه التحولات في وقت تسجل فيه بيانات الحوادث الرسمية أعدادًا مرتفعة من الإصابات والوفيات على الطرق. فبحسب النشرة السنوية لنتائج حوادث السيارات والقطارات لعام 2025، الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، بلغ عدد المصابين في حوادث الطرق على مستوى الجمهورية 84,553 شخصًا عام 2025، مقابل 76,362 مصابًا في 2024، بزيادة قدرها 10.7%. وبالمقارنة مع عام 2021، حين بلغ عدد المصابين 51,511 شخصًا، ارتفع العدد بنحو 64.1% خلال أربع سنوات.
وكان المارة ثاني أكثر الفئات تعرضًا للإصابة؛ إذ سجل الجهاز 22,849 إصابة بين "المشاة والمارة بالطريق" خلال 2025، بما يعادل نحو 27% من إجمالي إصابات حوادث الطرق المسجلة خلال العام، مقارنة بـ20,752 إصابة في 2024 و12,948 في عام 2021.
كما أظهرت البيانات أن الفئة العمرية من 15 إلى 24 سنة سجلت العدد الأكبر من المصابين في الفترة نفسها، بإجمالي 29,101 حالة، بما يعادل نحو 34.4% من إجمالي الحالات البالغ 84,553 حالة. في المقابل، تراجعت الأعداد بين الفئات الأكبر سنًا، إذ سجلت الفئة من 45 إلى 54 سنة نحو 8.6%، والفئة من 55 إلى 64 سنة نحو 5.3%، بينما بلغت نسبة من هم في سن 65 عامًا فأكثر 3% تقريبًا. وسجل الأطفال دون الخامسة 3,545 حالة، بما يمثل نحو 4.2% من الإجمالي.
وبالنسبة إلى الوفيات؛ سجلت مصر 5,829 وفاة نتيجة حوادث الطرق في 2025، كان من بينهم 2,132 من المارة، أي نحو 36.6% من إجمالي الوفيات، وهي النسبة الأكبر بين فئات مستخدمي الطريق التي يصنفها الجهاز، مقابل 1,595 سائقًا و1,470 راكبًا.
وسجّلت محافظات القاهرة الكبرى الثلاث (القاهرة والجيزة والقليوبية) 1,342 وفاة بحوادث الطرق خلال عام 2025، كان نحو نصفها (675 حالة) من المارة. وتفاوتت هذه النسبة بين المحافظات: ففي القليوبية شكّل المارة أكثر من نصف الوفيات (52.5%)، تلتها القاهرة (51.2%)، ثم الجيزة بنسبة أقل نسبيًا (46.5%).
وسجلت محافظات القاهرة الكبرى الثلاث(القاهرة والجيزة والقليوبية) إجمالي 1,342 وفاة بحوادث الطرق خلال عام 2025، كان من بينها 675 وفاة لمارة، أي ما يعادل نحو 50.3% من إجمالي الوفيات في المحافظات الثلاث.
وسجّلت القاهرة أكبر عدد من وفيات المارة بين محافظات القاهرة الكبرى بواقع 399 وفاة، بينما كانت القليوبية الأعلى من حيث نسبة وفيات المارة إلى إجمالي الوفيات داخل المحافظة، إذ بلغت 52.5%، مقابل 51.2% في القاهرة و46.5% في الجيزة.
ورغم أن هذه الأرقام لا تكفي وحدها لإرجاع ارتفاع الإصابات أو وفيات المارة إلى توسعة الطرق أو زيادة عدد الحارات، فإنها تكشف حجم العبء الذي يتحمله المارة على شبكة الطرق. وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن مخاطر حوادث الطرق، بما فيها تلك التي يتعرض لها المشاة، ترتبط بعوامل متعددة، من بينها سرعة المركبات، وسلوك القيادة، ومستوى إنفاذ قوانين المرور، وتصميم الطرق والتقاطعات، ومدى توافر نقاط عبور آمنة.
في السياق، تواصلت معدة التحقيق مع محمد عز، المتحدث باسم وزارة النقل، عبر الهاتف ووسيلة التواصل الإلكترونية "واتساب"، للحصول على رد بشأن شكاوى المواطنين من نقص نقاط عبور المشاة، ومدى مراعاة احتياجاتهم في مشروعات تطوير وتوسعة الطرق. وجاء رده مقتضبًا، بأن مسؤولية إنشاء كباري المشاة تقع على محافظة القاهرة، فيما لم يعلّق على بقية الأسئلة التي وجهتها إليه "أثر".
كما تواصلت مع الدكتور إبراهيم صابر، محافظ القاهرة، عبر الهاتف و"واتساب"، للاستفسار عن توزيع كباري المشاة على المحاور التي شهدت توسعات، والمعايير التي تحدد مواقعها والمسافات بينها، وخطط المحافظة لتأمين عبور المشاة، لكنها لم تتلق ردًا حتى موعد نشر التحقيق.
وبينما تواصل الجهات الحكومية توسيع وتطوير شبكة الطرق، يظل خالد أمام الاختيار نفسه كل صباح: شراء سيارة بتكلفة لا يستطيع تحملها بسهولة، أو الاستمرار في عبور طريق سريع للوصول إلى عمله. وبين الخيارين، تكشف رحلته اليومية عن فجوة لا تقيسها أعداد الحارات أو معدلات السيولة المرورية وحدها، بل تقيسها المسافة التي يقطعها شخص على قدميه بحثًا عن نقطة يستطيع منها عبور الطريق بأمان.




