كرم مهرجان الجونة السينمائي الفنانة منى زكي بجائزة الإنجاز الإبداعي، وفي الندوة التي تلت التكريم تحدثت منى عن الأدوار التي توصف أنها جريئة لها، وذُكر في ذلك السياق شخصيتي هبة في في فيلم "احكي يا شهرزاد"، ومي في فيلم "أصحاب ولا أعز"، نظرا للضجة التي أثارتها الشخصيتين عند عرض الأفلام، ولكن هناك شخصية أخرى أرى أنها كانت الكسر الأول الذي أصاب حائط ما تُسمى "السينما النظيفة" الذي كانت منى تحت ظِله لفترة، وهي شخصية عاليا في فيلم عن العشق والهوى. 

في عام 2006 عُرض فيلم عن العشق والهوى، بطولة أحمد السقا ومنى زكي ومنة شلبي وغادة عبد الرازق وطارق لطفي وبشرى، وهو فيلم يبدو للوهلة الأولى تصنيفه رومانسي، حول قصص الحب والفراق، حيث البطل يتخلى عن البطلة (عاليا) فجأة بسبب علمه بحقيقة عمل شقيقتها في أحد الملاهي الليلية، ويتزوج ويصبح أبا، ولكنه يلتقي شخصية أخرى تجذبه لها وتورط شعوريا في حبها، بينما تصبح عاليا ماضي له، إلا أنه يظل هو الحب الأول والأهم في حياتها رغم التقلبات التي تعصف بحياتها، هكذا تبدو الحدوتة الدرامية، التي كتبها تامر حبيب وأخرجتها كاملة أبو ذكري، لكن في طياتها طبقات أخرى من التفسيرات والمعاني المهمة التي ترتبط بالشخصيات النسائية في السينما المصرية. 

جميعنا يعلم شخصية هنادي والجملة الحوارية الشهيرة "وين هنادي يا أماي .. هنادي خدها الوبا" وظلت نهاية هنادي هي النهاية الحتمية لشخصيات النساء اللاتي يُخدعن باسم الحب، أو بشكل أوضح يمكن القول النساء اللاتي يكن لهن تجربة جنسية سواء (رضائية أو غير ذلك)، ولم تكن شخصية هنادي ( زهرة العلا) في فيلم دعاء الكروان تقف بمفردها في هذه الخانة، وإنما شخصيات أخرى قُدمت اتجهت نحو نفس الفكرة، أن النهاية يجب أن تكون بها عقاب للبطلة. 

 فقد توالت شخصيات نسائية في السينما المصرية حملت المصير نفسه، وتنوعت صور العقاب بين القتل والانتحار والانكسار النفسي والعزلة الاجتماعية، اختلفت الحكايات، لكن المنطق الذي يحكم نهاياتها ظل متشابهًا: المرأة التي تتجاوز حدود المسموح به، أو تتعرض لانتهاك تلك الحدود، لا بد أن تدفع ثمنًا ما. 

وكأن السينما، في كثير من نماذجها، لم تكتفِ بتصوير قسوة المجتمع على النساء، بل أعادت إنتاج أحكامه داخل البناء الدرامي نفسه، حين جعلت المأساة تبدو نتيجة طبيعية لما حدث، بدلًا من مساءلة المنظومة التي تحوّل أجساد النساء إلى موضع للشرف والعار، وتحمّلهن وحدهن مسؤولية ما يتعرضن له. 

والنماذج كثيرة في هذا السياق، ففي فيلم "أنا وبناتي" تموت الفتاة في النهاية، بعد حالة من التشرد والضياع بينما ينعم الفاعل بحياته، أما في فيلم  "الثلاثة يحبونها"، فتقف البطلة وراء شجرة في جانبٍ مظلم ترتدي ملابس سوداء، لتشاهد من بعيد حبيبها وهو يتزوج من صديقتها المقربة، فهي، بعد أن اعتدى عليها مديرها في العمل، قررت أنها لا تستحق الحياة ولا الحب، ودبرت موقفا وهميا لجعله يتركهها، وانطلقت في تصرّفها من أنه لا يستحقها بعد ما حدث، وفي فيلم "الحياة منتهى اللذة"، تبكي الفتاة التي أحبت رجلاً متزوجاً وحدثت بينهما علاقة حميمية، بينما يندم الزوج ويعود إلى زوجته وتسامحه، ثم يرقصان في المشهد الأخير من الفيلم وتبقى الفتاة مجهولة المصير. 

 لكن ماذا حدث؟ غير أنها فقدت بضعة دماءٍ على فراش! جميع هذه التفاصيل تؤول بنا إلى رؤية المبدع، مخرج/مؤلف، لهذه الواقعة في فترات زمنية مختلفة، وإلى أن مفهوم الاعتداء الجنسي لم يكن حاضراً من الأساس، وحتى عدم التطرق لأفكار بشأن حرية المرأة/ الفرد في اختيار أسلوب الحياة الذي يناسبه. 

ويقول مارسيل مارتن في كتابه اللغة السينمائي : "كل صورة فيلمية هي إذن في الحاضر والماضي والمستقبل المحتمل، ليست إلا نتاج حكم شخصي تظهر عبر بعض وسائل التعبير الفيلمية، التي تعلمنا قراءة مدلولها"، وعند قراءة مدلولات بعض المشاهد التي تتعلق بالنساء في السينما، مثل لحظة دهس البطل وردة أثناء حمله البطلة إلى غرفة النوم في فيلم أنا وبناتي، أو لحظة توجه البطلة نحو السير في الظلام مع نهاية فيلم الثلاثة يحبونها، نجد أن المدلول الواضح هو إدانة البطلة ودهس مستقبلها بالتوازي مع الواقعة الجنسية، وهي النهاية الحتمية في الخيال الجمعي، وبذلك تحول الأمر إلى نمطية في طرح الصورة، والنمطية لها ثلاث عناصر وفقا ل  يورغ شفاينتس، في كتابه Film and Stereotype: A Challenge for Cinema and Theory  هم: "اختزال التعقيد، والاستقرار، والتحول إلى صيغة متعارف عليها"، وفي النمط الذي نتطرق له يكون "امرأة ارتكبت خطأً، أو فقدت عذريتها، ثم يتحدد مصيرها الدرامي وفقًا لهذا التصنيف". 

ومن هنا يتحول النمط إلى معنى ثقافي انتقل من المجتمع عبر عقول الصٌناع إلى الشاشة، أي "يختزل التنميط الاختلاف، ويرده إلى جوهر ثابت، ويضفي عليه طابعًا طبيعيًا، ويثبته"، وفقا لستوارت هول في كتابه  Representation: Cultural Representations and Signifying Practices. 

من هنا أيضَا، تبدو شخصية عاليا، التي قدمتها منى زكي في فيلم عن العشق والهوى قفزة قوية فوق التنميط، فهي أكثر تعقيدًا مما توحي به الحكاية الرومانسية للفيلم،  لأنها تكشف عن التناقضات التي تحكم تمثيل المرأة ورغباتها وتجربتها الجنسية، وعن الحدود التي يُسمح للبطلة بتجاوزها قبل أن تبدأ محاكمتها دراميًا. وخلف البناء الرومانسي للشخصية تتوارى أسئلة أخرى تتعلق بتمثيل النساء، وبالطريقة التي تتحول بها التجربة الجنسية إلى معيار للحكم عليهن، وبالفارق بين ما يُسمح للرجل بفعله وما يُفرض على المرأة من تبعات.

 فإذا كانت هنادي قد دفعت حياتها ثمنًا لتجربتها، فإن السؤال الذي يطرحه هذا النمط من الحكايات لا يتعلق بمصير البطلة وحده، بل بالمنطق الذي يجعل العقاب يبدو نهاية مستحقة أو حتمية، كيف تتحول تجربة جنسية إلى حكم نهائي على قيمة المرأة، بينما لا يُحاكم الرجل بالمعايير نفسها؟ 

وكيف تتسلل هذه الأحكام إلى الأفلام عبر الرموز والمصائر والمشاهد الختامية، حتى تبدو وكأنها جزء طبيعي من الحكاية، لا انعكاسًا لمنظومة ثقافية ذكورية هذه الأسئلة هي ما يجعل العودة إلى عاليا مهمة؛ فخلف قصة الحب والفراق، يمكن قراءة صورة المرأة التي تقع في صدمة بعد تجربة الحب الأول فتدخل إلى تجربة عاطفية غير محسومة مع شخص يبتعد عنها كليا فكريا ونفسيا، وتتعرض لانهيار كبير، تعبر عنه المخرجة كاملة أبو ذكري بلحظة درامية شديدة القسوة، عندما تجعلنا كمشاهدين نرى عاليا تنهار في منتصف الغرفة وننظر لها من أعلى عبر كادر واسع وهي ضيئلة وخائفة، لكن هذا الانهيار ليس النهاية، بل تستمر وتتعلم من تجربة شقيقتها فاطمة (غادة عبد الرازق) التي تعثر هي الأخرى على حبيب يقدرها ويقرر أن يكمل حياته معها رغم عملها -الذي يوصمه المجتمع- مما يجعلها تستعيد بعض القوة وتعلم أن ليس لديها مشكلة ولكن المشكلة في الطرف الآخر الذي تخلى، وأن تجربة واحدة ليست النهاية. 

وعند تتبع نظرات عين شخصية عاليا (منى زكي) في كل مرحلة سوف نجد تعبير دقيق عن تغيراتها، نظرة الحبيبة المنتشية مع شخصية الحبيب عمر ( أحمد السقا) في البداية، ثم نظرة المُنكسرة بعد علاقتها مع أشرف ( مجدي كامل) ثم نظرة الحزن العميق أثناء محاولة التخطي، ثم القوة والتحدي في آخر مرحلة عندما تصبح مطربة مشهورة، وصور بوسترات ألبومها تملأ الشوارع. 

ويمكن النظر إلى هذا التحول في شخصية عاليا بوصفه خروجًا من منطق الحكايات التي تربط مصير المرأة بتجربتها الجنسية، وتجعل هذه التجربة الحدث الذي يختزل حياتها كلها، فعاليا لا تستعيد حياتها لأنها عادت إلى عمر، ولا لأنها حصلت على اعتراف من شخص بقيمتها، أو لأنها تزوجت أشرف لكي تعالج ما حدث، وإنما لأنها تواصل الحياة خارج حدود العلاقات التي ظنت في لحظة ما أنها تمثل كل شيء، هنا تكمن أهمية الشخصية؛ فهي لا تنجو من الألم بقدر ما تتعلم ألا تجعل منه تعريفًا نهائيًا لذاتها، ولا تسمح لتجربة عاطفية فاشلة بأن تتحول إلى حكم أبدي على استحقاقها للحب أو الحياة.

وتبدو قدرتها على الاستمرار مصحوبة بأثر الخسارة لا بمحوها، ومن ثم، فإن تجاوز عاليا لا يعني بالضرورة انتصارًا كاملًا على المعايير الاجتماعية التي تحاكم النساء، بل يشير إلى مساحة من المقاومة داخل عالم لا تزال علاقاته العاطفية محكومة باختلال واضح في توزيع المسؤولية والحرية.

وتكتسب شخصية فاطمة أهمية إضافية في هذا السياق الدرامي؛ إذ تقدم حكايتها مسارًا موازيًا لمسار عاليا، وتكشف عن أن الوصمة الاجتماعية المرتبطة بعمل المرأة في الملاهي الليلية لا تعني بالضرورة استحالة إقامة علاقة عاطفية قائمة على القبول والتقدير. فبينما يتخلى عمر عن عاليا، تتعرف فاطمة إلى رجل يقبلها بعملها وماضيها، ولا يجعل نظرة المجتمع معيارًا وحيدًا للحكم عليها. وبذلك، لا تصبح فاطمة مجرد شخصية مساندة في الحكاية، بل تقدم احتمالًا آخر لمصير المرأة التي تتجاوز الحدود الأخلاقية التي يرسمها المجتمع: ليس العقاب أو العزلة بالضرورة، وإنما إمكانية بناء علاقة لا تشترط عليها التنصل من حياتها السابقة كي تستحق الحب.

عندما عدت لمشاهدة بعض لحظات شخصية عاليا وهنادي وإيمان، وجدت أن الاختلاف لا يكمن فقط في أن إحداهما تستمر في الحياة بينما تنتهي الأخرى إلى الموت أو الإنزواء، بل في الطريقة التي يُبنى بها المعنى حول التجربة التي مرت بها كل منهن، فهنادي، في دعاء الكروان، تصبح ضحية لجريمة يرتكبها رجل، ثم تتحمل هي العار الذي يلحق بها، فيما تتحول الجريمة إلى سبب في انهيار حياتها، أما عاليا، فلا تختزلها الحكاية في تجربة واحدة، ولا تنتهي قصتها عند اللحظة التي تتعرض فيها للانكسار، وبين الشخصيتين تتسع المسافة التي تفصل بين سردية تجعل المرأة أسيرة لما حدث لها، وأخرى تمنحها، ولو جزئيًا، القدرة على مواصلة الحياة وإعادة تشكيل صورتها عن نفسها.

ربما لهذا تستحق عاليا اليوم نظرة أعمق، والعودة إلى الشخصية بنظرة تقدير، في سياق تكريم منى زكي، وأن نتجاوز عبرها السؤال المعتاد عن حدود الجرأة في الأداء أو مقدار ما أثارته الشخصية من جدل عند عرض الفيلم، فالسؤال الأهم ما هي المساحة التي منحتها الشخصية للمرأة على الشاشة من دون أن تختزلها في تجربة جنسية أو تجعل جسدها سجلًا لأحكام المجتمع.